استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل؛ كما أن مذهبه في مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها، هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين.
وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعى الزكاة، وقتال على للخوارج، ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين. فكلام على وغيره في الخوارج يقتضى أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوع ثالث. وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم.
/وممن قاتلهم الصحابة ـ مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك ـ مانعى الزكاة، كما في الصحيحين عن أبى هريرة: أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها) . فقال له أبو بكر: ألم يقل لك: (إلا بحقها) . فإن الزكاة من حقها. والله لو منعونى عَنَاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.
وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعى الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب، كما أمر الله. وقد حكى عنهم أنهم قالوا: إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ، وقد سقطت بموته.
وكذلك أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر.
وأما الأصل الآخر ـ وهو معرفة أحوالهم ـ فقد علم أن هؤلاء/ القوم جازوا على الشام في المرة الأولى ـ عام تسعة وتسعين ـ وأعطوا الناس الأمان، وقرؤوه على المنبر بدمشق، ومع هذا فقد سبوا من ذرارى المسلمين ما يقال: إنه مائة ألف أو يزيد عليه، وفعلوا ببيت المقدس، وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا، وغير ذلك من القتل والسبى ما لا يعلمه إلا الله، حتى يقال: إنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها، كالمسجد الأقصى والأموى وغيره، وجعلوا الجامع الذى بالعقيبة دكا.
وقد شاهدنا عسكر القوم، فرأينا جمهورهم لا يصلون، ولم نر في عسكرهم مؤذنا ولا إماما، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله.
ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق: إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن، وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم، وإما من هو من أفجر الناس وأفسقهم. وهم في بلادهم ـ مع تمكنهم ـ لا يحجون البيت العتيق، وإن كان فيهم من يصلى ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة.
وهم يقاتلون على ملك جنكسخان. فمن دخل في طاعتهم جعلوه /وليا لهم وإن كان كافرا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين. ولا يقاتلون على الإسلام، ولا يضعون الجزية والصغار.
بل غاية كثير من المسلمين منهم ـ من أكابر أمرائهم ووزرائهم ـ أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى، كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام، وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون. فقال: هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله، محمد وجنكسخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين، أن يسوى بين