الصفحة 45 من 85

إلى طبعه ; والمفهوم لا يجب فيه العموم فليس إذا كان القلتان لا تحمل الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقًا على أن التخصيص وقع جوابا لأناس سألوه عن مياه معينة ; فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان كثير ولا يلزم أن لا يكون الكثير إلا قلتين وإلا فلو كان هذا حدا فاصلا بين الحلال والحرام لذكره ابتداء ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك والماء الذي تقع فيه النجاسة لا يعلم كيله إلا خرصا ; ولا يمكن كيله في العادة فكيف يفصل بين الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الأوقات وقد أطلق في غير حديث قوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) و (الماء لا يجنب) .

ولم يقدره مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم وهذا لا يعلم هنا.

وحديث الأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب ; لأن الآنية التي يلغ فيها الكلب في العادة صغيرة ولعابه لزج يبقى في الماء ويتصل بالإناء فيراق الماء ويغسل الإناء من ريقه الذي لم يستحل بعد بخلاف ما إذا ولغ في إناء كبير.

وقد نقل حرب عن أحمد في كلب ولغ في جب كبير فيه زيت فأمره بأكله. وبسط هذه المسائل له موضع آخر وإنما المقصود التنبيه على مخالفة القياس وموافقته.

وأما الإجارة فالذين قالوا: هي على خلاف القياس قالوا: إنها بيع معدوم لأن المنافع معدومة حين العقد وبيع المعدوم لا يجوز. ثم إن القرآن جاء بإجارة الظئر للرضاع في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] .

فقال كثير من الفقهاء: إن إجارة الظئر للرضاع على خلاف قياس الإجارة فإن الإجارة عقد على منافع وإجارة الظئر عقد على اللبن واللبن من باب الأعيان لا من باب المنافع ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه وقالوا: هذه خلاف القياس والشيء إنما يكون خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع بحكم وجاء في موضع يشابه ذلك بنقيضه فيقال: هذا خلاف لقياس ذلك النص.

وليس في القرآن ذكر الإجارة الباطلة حتى يقال: القياس يقتضي بطلان هذه الإجارة بل فيه ذكر جواز هذه الإجارة وليس فيه ذكر فساد إجارة تشبهها بل ولا في السنة بيان إجارة فاسدة تشبه هذه وإنما أصل قولهم ظنهم أن الإجارة الشرعية إنما تكون على المنافع التي هي أعراض لا على أعيان هي أجسام وسنبين إن شاء الله كشف هذه الشبهة.

ولما اعتقد هؤلاء أن إجارة الظئر على خلاف القياس صار بعضهم يحتال لإجرائها على القياس الذي اعتقدوه فقالوا: المعقود عليه فيها هو إلقام الثدي أو وضعه في الحجر أو نحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع ومعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقودا عليها بل ولا قيمة لها أصلا وإنما هو كفتح الباب لمن اكترى دارا أو حانوتا أو كصعود الدابة لمن اكترى دابة ومقصود هذا هو السكنى ومقصود هذا هو الركوب وإنما هذه الأعمال مقدمات ووسائل إلى المقصود بالعقد.

ثم هؤلاء الذين جعلوا إجارة الظئر على خلاف القياس طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي تنبع في الأرض فقالوا: أدخلت ضمنا وتبعا في العقد حتى إن العقد إذا وقع على نفس الماء كالذي يعقد على عين تنبع ليسقي بها بستانه أو ليسوقها إلى مكانه ليشرب منها وينتفع بمائها قالوا: المعقود عليه الإجراء في الأرض أو نحو ذلك مما يتكلفونه ويخرجوا الماء المقصود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت