الصفحة 43 من 85

** وقال:

وأما [نسخ القرآن بالسنة] فهذا لا يجوزه الشافعي؛ ولا أحمد في المشهور عنه؛ ويجوزه في الرواية الأخرى. وهو قول أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقد احتجوا على ذلك بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخها قوله: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وهذا غلط فإن ذلك إنما نسخه آية المواريث كما اتفق على ذلك السلف؛ فإنه لما قال بعد ذكر الفرائض: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14] فلما ذكر أن الفرائض المقدرة حدوده ونهى عن تعديها: كان في ذلك بيان أنه لا يجوز أن يزاد أحد على ما فرض الله له وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وإلا فهذا الحديث وحده إنما رواه أبو داود ونحوه من أهل السنن ليس في الصحيحين ولو كان من أخبار الآحاد لم يجز أن يجعل مجرد خبر غير معلوم الصحة ناسخا للقرآن.

وبالجملة فلم يثبت أن شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] . وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خذوا عني؛ خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .

وهذه الحجة ضعيفة لوجهين: أحدهما: أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه؛ فإن الله مد الحكم إلى غاية، والنبي صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية، لكن الغاية هنا مجهولة فصار هذا يقال: إنه نسخ بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب كقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة: 187] ؛ فإن هذا لا يسمى نسخا بلا ريب.

الوجه الثاني: أن جلد الزاني ثابت بنص القرآن، وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى ثم نسخ لفظه وبقي حكمه وهو قوله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة.

وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله: {وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} الآية؛ فإن هذا إن قدر أنه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده؛ ثم نسخ لفظه وبقي حكمه منقولا بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع؛ فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة وإن تضمنت نسخا لبعض آي القرآن لكن يقولون: إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة ويحتجون بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن.

وأما قول من يقول: إزالة النجاسة على خلاف القياس والنكاح على خلاف القياس ونحو ذلك: فهو من أفسد الأقوال وشبهتهم أنهم يقولون: الإنسان شريف والنكاح فيه ابتذال المرأة وشرف الإنسان ينافي الابتذال.

وهذا غلط فإن النكاح من مصلحة شخص المرأة ونوع الإنسان والقدر الذي فيه من كون الذكر يقوم على الأنثى هو من الحكمة التي بها تتم مصلحة جنس الحيوان فضلا عن نوع الإنسان ومثل هذا الابتذال لا ينافي الإنسانية كما لا ينافيها أن يتغوط الإنسان إذا احتاج إلى ذلك وأن يأكل ويشرب وإن كان الاستغناء عن ذلك أكمل بل ما احتاج إليه الإنسان وحصلت له به مصلحته فإنه لا يجوز أن يمنع منه والمرأة محتاجة إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها فكيف يقال: القياس يقتضي منعها أن تتزوج؟ وكذلك إزالة النجاسة فإن شبهة من قال: إنها تخالف القياس أن الماء إذا لاقاها نجس الماء ثم إذا صب ماء آخر لاقى الأول. وهلم جرا قالوا: فكان القياس أنها تنجس المياه المتلاحقة والنجس لا يزيل النجس. وهذا غلط فإنه يقال لم قلتم القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى النجاسة نجس؟ فإن قلتم: لأنه في بعض الصور كذلك. قيل: الحكم في الأصل ممنوع عند من يقول: الماء لا ينجس إلا بالتغير ومن سلم الأصل قال ليس جعل الإزالة مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجس الماء مخالفا للقياس بأن يقال: القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس فهذا القياس أصح من ذلك لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع وأما تنجس الماء بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مواقع النزاع حجة على مواقع الإجماع والقياس أن يقاس موارد النزاع على مواقع الإجماع.

ثم يقال: الذي يقتضيه المعقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس ; فإنه باق على أصل خلقه وهو طيب داخل في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِث} [الأعراف: 157] وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقعت فيها نجاسة فاستحالت حتى لم يظهر طعمها ولا لونها ولا ريحها أن لا تنجس فقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين والأول قول أهل العراق والثاني قول أهل الحجاز.

وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ; ومنهم من يختار هذا وهم أهل الحجاز وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول ; فإن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث والطيب والخبث باعتبار صفات قائمة بالشيء فما دام على حاله فهو طيب فلا وجه لتحريمه ; ولهذا لو وقعت قطرة خمر في جب لم يجلد شاربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت