الصفحة 27 من 85

فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم 39] . فالظالمون يمنعون الزكاة، ويأكلون الربا، وأما القمار فكل من المتقامرين قد يقمر الآخر، وقد يكون المقمور هو الغني أو يكونان متساويين في الغنى والفقر، فهو أكل مال بالباطل، فحرمه الله، لكن ليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا، ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج. ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحيل على استحلاله، وسدوا الذريعة المفضية إليه، فأين هذا ممن يسوغ الاحتيال على أخذه؟ بل يدل الناس على ذلك. وهذا يظهر بذكر مثلًا ربا الفضل وربا النسأ. أما ربا الفضل فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، واتفق جمهور الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب بجنسه إلا مثلًا بمثل؛ إذ الزيادة على المثل أكل مال بالباطل وظلم، فإذا أراد المدين أن يبيع مائة دينار مكسور، وزنه مائة وعشرون دينارًا؛ يسوغ له مبيح الحيل أن يضيف إلى ذلك رغيف خبز أو منديل يوضع فيه مائة دينار؛ ونحو ذلك مما يسهل على كل مرب فعله: لم يكن لتحريم الربا فائدة ولا فيه حكمة ولا يشاء مرب أن يبيع نوعًا من هذا بأكثر منه من جنسه إلا أمكنه أن يضم إلى القليل ما لا قدر له من هذه الأمور. وكذلك إذا سوغ لهما أن يتواطآ على أن يبيعه إياه بعرض لا قصد للمشتري فيه , ثم يبتاعه منه بالثمن الكثير أمكن طالب الربا أن يفعل ذلك.

ومعلوم أن من هو دون الرسول، إذا حرم شيئًا لما فيه من الفساد، وأذن أن يفعل بطريق لا فائدة فيه، لكان هذا عيبًا وسفهًا؛ فإن الفساد باق، ولكن زادهم غشًا، وإن كان فيه كلفة فقد كلفهم ما لا فائدة فيه، فكيف يظن هذا بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ بل معلوم أن الملوك لو نهوا عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، واحتال المنهي على ما نهي عنه بمثل هذه الطريق، لعدوه لاعبًا مستهزئًا بأوامرهم وقد عذب الله أهل الجنة الذين احتالوا على ألا يتصدقوا، وعذب الله القرية التي كانت حاضرة البحر لما استحلوا المحرم بالحيلة، بأن مسخهم قردة وخنازير، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل) . وقد بسطنا الكلام على [قاعدة إبطال الحيل وسد الذرائع] في كتاب كبير مفرد، وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة، وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

وكذلك ربا النسأ فإن أهل ثقيف الذين نزل فيهم القرآن، أن الرجل كان يأتي إلى الغريم عند حلول الأجل فيقول: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه وإلا زاده المدين في المال، وزاده الطالب في الأجل، فيضاعف المال في المدة لأجل التأخير. وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه باتفاق سلف الأمة، وفيه نزل القرآن، والظلم والضرر فيه ظاهر. والله سبحانه وتعالى أحل البيع، وأحل التجارة، وحرم الربا، فالمبتاع يبتاع ما يستنفع به كطعام ولباس ومسكن ومركب وغير ذلك، والتاجر يشتري ما يريد أن يبيعه ليربح فيه، وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل، فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له، لم يبع ولم يتجر، والمربي آكل مال بالباطل بظلمه، ولم ينفع الناس لا بتجارة ولا غيرها؛ بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له، ولا للناس.

فإذا كان هذا مقصودهما فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم، مثل أن تواطآ على أن يبيعه ثم يبتاعه، فهذه بيعتان في بيعة، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) مثل أن يدخل بينهما محللًا يبتاع منه أحدهما ما لا غرض له فيه ليبيعه آكل الربا لموكله في الربا ثم الموكل يرده إلى المحلل بما نقص من الثمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت