فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 55

كان هذا الخلق جليا في السيرة النبوية، فما كان مجاهدو الإسلام مفسدين في الأرض، سواءا كان هذا الإفساد بتدمير المنازل أو تخريب الطرقات أو قتل الدواب أو إتلاف المغروسات، بل كان المجاهدون يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على العمران والبيئة في كل مكان، ولو كان ببلاد أعدائهم.

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الإفساد في الغزو ونفى الأجر عن صاحبه، فعن معاذ بن انس رضي الله عنه أنه قال:"الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وانفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف" [1] .

والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الأجر الكامل لمن اجتنب الفساد في حربه وغزوه، ثم أكد عليه السلام ذلك بأن العصاة الذين يفسدون في الأرض ليس لهم من الأمر شيئا.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الطرق وتخريبها وتضييق المنازل، فعن معاذ بن انس رضي الله عنه أنه قال:"غزوت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في الناس: أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له" [2] .

ففي هذا الحديث نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي ثواب الجهاد لمن أفسد في الأرض وقام بأعمال تخريبية تؤذي غير المقاتلين، وكان هذا ضيع الكفار والمشركين مع المسلمين على مر عصور التاريخ ومثال ذلك ما فعله التتار ببغداد وأهلها فارتكبوا أبشع الجرائم الحربية، واعتمدوا سياسة الأرض المحروقة، فدمروا كل شيء وأتوا على الأخضر واليابس، حتى أنهم عبروا النهر على جسر شيدوه بكتب تراث المسلمين ومؤلفاتهم. كما كان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزو: النهي عن قطع الأشجار أو إتلاف المغروسات لغير حاجة، وما ثبت في سيرته وعليه السلام أنه فعل ذلك إلا في غزوة بني النضير والسبب في ذلك هو أنه لما استقر في أذهان اليهود أن المسلمين لا يفسدون في الأرض، أراد هؤلاء أن يتحصنوا بحصونهم، ويرمون المسلمين من

(1) - أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا، رقم الحديث 2515.

(2) - أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب: ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، رقم الحديث: 2629.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت