واستدلوا بما يلي:
1 -عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" [1] .
وجه الاستدلال:
قوله إلا في حد من حدود الله: ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من
الجلد أو الضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة [2] .
ونوقش الاستدلال بالحديث بأوجه:
الأول: وهو أقواها: أنه لا منافاة بينه وبين ما ذكر، فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة؛ وقوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) [البقرة: 187] ، وقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) [البقرة: 229] ، فالأول: حدود الحرام، والثاني: حدود الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم؛"إن الله حد حدودا فلا تعتدوها" [3] ، وفي حديث النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما على كتفي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يدعو يقول: يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو على الصراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم" [4] ، ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة فقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله": يريد به الجناية التي هي حق الله [5] .
وأجيب من وجهين:
أولا: أن ذلك خروج في لفظة الحد عن العرف فيها، فإن هذا يوجب النقل والأصل عدمه، والحديث الذي
(1) أخرجه البخاري في باب كم التعزيز والأدب، ح (6458) ، صحيح البخاري ج6/ ص2512، ومسلم بنحوه في باب قدر أسواط التعزير، ح (1708) ، صحيح مسلم ج3/ ص1332.
(2) ينظر فتح الباري ج12/ ص177.
(3) أخرجه الحاكم، المستدرك على الصحيحين ج4/ ص129، ح (7114) .
(4) أخرجه الحاكم في كتاب الإيمان، ح (245) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة ولم يخرجاه، المستدرك على الصحيحين ج1/ ص144، والترمذي بنحوه في باب ما جاء في مثل الله لعباده، ح (2859) ، وقال: هذا حديث غريب سنن الترمذي ج5/ ص144 وأحمد ح (17671) ، مسند أحمد بن حنبل ج4/ ص182.
(5) ينظر إعلام الموقعين ج2/ ص49.