فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 400

ـ سرُّ سعادة المؤمنين وكنز نعيمهم مخبوء في ولاية الله لهم في الدنيا والآخرة، وتلك الولاية رعاية من الله بموجب إيمانهم، وجزاءٌ منه على جليل أعمالهم.

/ في رحاب الآيات:

القاعدة الهندسيَّة تقول: (الخط المستقيم هو أقصر بُعدٍ يصل بين نقطتين) والآية تبيِّن أن صراط ربِّ العالمين مستقيم، وبهذا يكون أقصر طريق يوصل الإنسان إلى معرفة خالقه! وقد وضَّح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بمثال حسِّي ملموس، فقد روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: «كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخطَّ خطًَّا هكذا أمامه (يعني في الرمل) فقال: هذا سبيل الله، وخطَّين عن يمينه، وخطَّين عن شماله (مائلين) ، وقال: هذه سبيل الشيطان. ثمَّ وضع يده في الخط الأوسط ثمَّ تلا هذه الآية: {وأنَّ هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبِعُوه ولا تتَّبعوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لَعلَّكم تتَّقُون} (6 الأنعام آية 153) » . فإذا التزم الإنسان بهذه الطريق كانت مسيرته مستقيمة سليمة، لا عوجَ فيها ولا خللًا، ولا اعتداء على حقٍّ، ولا انغماسًا في حرام، من مأكل أو مشرب أو ملبس. إنها مسيرة إيمانيَّة يدفعها الحبُّ لله، ويوجِّهها الخوف منه، ويتوِّجها الفوز برضاه. ولا تنحصر ثمار الاستقامة على الصراط والمنهج الربَّاني بصاحبها فحسب، بل تتعدَّاه إلى غيره؛ لأن الإنسان فرد في مجتمع، ولَبِنَةٌ في بناء الصَّرح الإنساني الكبير، فإذا صَلُحَتْ أجزاء البناء صلح البناء كلُّه، وتأسَّس المجتمع الإيماني على قواعد أخلاقيَّة فاضلة مبنيَّة على العقل والعلم، وكلُّ ذلك من خلال تنشئة الفرد على الإيمان بالله، وحبِّ الخير، والتفاني في طاعة الله وخدمة عباده.

وفي قوله تعالى: {إنَّ الَّذين قالوا رَبُّنا الله ثمَّ استقاموا تتنزَّلُ عليهمُ الملائِكَةُ ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنَّةِ الَّتي كنتم تُوعَدون * نحن أوليَاؤكُم في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسُكُم ولكم فيها ما تدَّعون} (41 فصلت آية 30 ـ 31) تتجلَّى ثمرة الاستقامة على صراط الله وهدْيه، بأروع صورة وأكمل وجه؛ فحين يتواضع الإنسان لخالقه ويَسلُكُ نفسه في عِداد خَدَمهِ، ويوقِّع عقد الالتزام بذلك، تُفتح عليه بركات من السماء والأرض، فيتكفَّل الله بقضاء مصالحه الدنيويَّة بما فيها الحفظ والحراسة، والمعونة والنُّصرة، وإيصال الخيرات ودفع البليَّات، أمَّا في الآخرة فيبشِّره بالجنَّة دار السلام، الَّتي يأمن مَنْ دخلها من العذاب، وهكذا يكون الله وليَّه في الدنيا والآخرة. ولفظ (الولي) يوحي بالقرب والرابطة الوثيقة بين الله عزَّ وجل ـ الوكيل ـ وبين مَن تولاه مِن خلقه وتوكَّل عليه. وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة، ولكن بالشَّرَف والعلوِّ والرتبة، ولسنا نرى درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة، ولا تشريفًا أعظم من هذا التشريف! فإذا واظب الإنسان على أعمال البرِّ والطاعة، ظهرت آثارها في جوهر النفس، لذلك كان لابُدَّ للمؤمن من القيام بالعمل المثمر البنَّاء، لأنه لا أجر ولا ثواب مع التواكل والكسل. كما أنه لابُدَّ من الحذر إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت