ولأجل هذا التباين أو التناقض في مواقف القوم، قمت بكتابة هذه الأوراق، وكان منهجي فيها قول العرب:"وداوها بالتي هي الداء". [1]
فحذار من أن ينسب إليّ البعض ممن حسن قصده بعض الكلام الموجود في ثنايا هذه الأوراق:
وكم عائبٍ قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهم السقيمِ!
وحذار من أن ينسب إليّ البعض ممن خبث قصده بعض الكلام الموجود في ثنايا هذه الأوراق:
(فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) [الأنبياء:64 - 65] [2]
فإن كثيرًا من الكلام المبثوث في هذه الأوراق، ما جئنا به اعتقادًا منا به، وإنما جئنا به لمحاجَّة القوم الذين يكيلون بمكيالين، ويُفرقون بين المتماثلين.
(1) قال تعالى حاكيًا جانبًا من محاجَّة إبراهيم عليه السلام لخصومه: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام: 76 - 78] وقال تعالى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: 63] ، وعلى مثل هذا المنهج مضى علماء الإسلام في محاجّة خصومهم، فقد أنشد الشيخ شهاب الدين القرافي في كتاب"الرد على النصارى"لبعض من يرد عليهم قولهم بصلب المسيح:
أسلموه إلى اليهود وقالوا *** إنهم بعد قتله صلبوه
فإن كان ما تقولون حقًا *** وصحيحًا فأين كان أبوه؟
حين خلى أبنه رهين الأعادي *** أتراهم أرضوه أم أغضبوه
[انظر هامش البداية والنهاية 2/ 100] ولابن القيم مثيل هذا الأسلوب في الرد على خصومه. [انظر إغاثة اللهفان2/ 290] .
(2) جئنا بهذين التحذيرين لتيقننا أن هناك من سيُسيء فهم هذه المحاجَّات، وخاصة أولئك القوم هواة الـ"القص واللصق". ولكني - بإذن الله - لن يضيرني فعلهم في شيء، وكما قال البحتري:
عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقرُ!