وإنّ ممّا حمل الشيخ ـ رحمه الله ـ على تقرير هذا المعنى، مع اتّفاق أهل التفسير واللغة عليه: الردّ على طوائف من المتفلسفة والمتكلّمين، زعموا أنّ الأفول بمعنى الحركة، والانتقال، وتوصّلوا بذلك إلى القول بحدوث العالم.
وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ قصّة إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ هذه قد ضلّ بها فريقان من الناس:
-الفريق الأوّل: طوائف من أئمّة أهل الكلام، من الجهميّة، والمعتزلة، ومن اتّبعهم من غيرهم، مثل ابن عقيل [1] ، وأبي حامد [2] ، وغيرهما. قالوا: إنّ هذا الذي سلكه إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو الدليل على حدوث الأجسام، حيث استدلّوا على ذلك بما قام بها من الأعراض الحادثة، كالحركة. وأثبتوا حدوث الأعراض، أو بعضها. ولزومها للجسم، أو بعضها. ثمّ قالوا: وما لا ينفكّ عن الحوادث فهو حادث ... إلى آخر ما ذكروا. فجعلوا هذا هو دليل إبراهيم الخليل على إثبات الصانع، وهو أنّه استدلّ بالأفول ـ الذي هو الحركة والانتقال ـ على حدوث ما قام به ذلك [3] .
وقد أجاب الشيخ ـ رحمه الله ـ عن ذلك، بأنّه غلط من وجوه:
(1) هو الإمام العلامّة شيخ الحنابلة، أبو الوفاء، عليّ بن عقيل بن محمّد بن عقيل، البغداديّ، الظفريّ، الحنبليّ، المتكلّم، صاحب التصانيف، أخذ علم العقليّات عن شيخي الاعتزال: أبي عليّ بن الوليد، وأبي القاسم بن التبّان، صاحبي أبي الحسين البصريّ ـ فانحرف عن السنّة. حدّث عنه: أبو طاهر السلفيّ، وأبو بكر السمعانيّ. مات سنة: ثلاث عشرة، وخمس مئة. (ينظر: طبقات الحنابلة: 2/ 259، وسير أعلام النبلاء: 19/ 443) .
(2) هو الشيخ زين الدين أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد الطوسي، الغزالي، صاحب التصانيف، لازم إمام الحرمين أبا المعالي، فبرع في الفقه، ثمّ مهر في الكلام والجدل حتّى زلّت به القدم، ثمّ مال إلى الزهد والرياضة، وكان خاتمة أمره: إقباله على طلب الحديث، لكنّ الأجل لم يمهله، مات سنة: خمس، وخمس مئة. (ينظر: سير أعلام النبلاء: 19/ 322، ووفيات الأعيان: 4/ 216) .
(3) ينظر: بغية المرتاد: ص 118.