ولم يعرف شيء في الواقع عن الحياة الثقافية والفكرية الأوروبية. ومر عصر النهضة، وحركة الإصلاح الديني، حتى الحروب الدينية التي زلزلت أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، دون أن يلحظها أحد تقريبا من جيران العالم المسيحي المسلمين، ولم
ترجم من الآداب والعلوم الأوروبية سوى حفنة من الكتب، وكان معظمها رسائل في الطب والجغرافيا، لا سيما علم رسم الخرائط. ولم يكن المترجمون أتراها أو مسلمين في الأصل. وكان قليل منهم ممن تحولوا إلى الإسلام، لكن معظمهم كانوا رعايا مسيحيين أو يهود للسلاطين الأتراك. حتى الطباعة، التي أتى بها اللاجئون اليهود من أسبانيا في القرن الخامس عشر، وتبناها المسيحيون اليونانيون والأرمنيون فيما بعد تحت الحكم التركي، لم يسمح بها السلاطين إلا بشرط ألا يقوم الطباعون اليهود والمسيحيون بطباعة أي كتب بالخط العربي.
وبدأ تحول كبير خلال السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، کنتيجة مباشرة للتراجع التركي عن فيينا. وللمرة الأولى منذ دخول جيوشهم إلى أوربا، لقي الأتراك هزيمة كبرى على أرض المعركة وأجبروا على التنازل، والتخلي لاحقا، عن أقاليم شاسعة. وحتى ذلك الحين، كانت أطراف العالم الإسلامي هي المتضرر الوحيد من سيطرة الروس على بحر قزوين وتواجد الهولنديين في يافا، وكلاهما كان بعيدا جدا. وكان التراجع عن فيينا ضربة في الصميم.
وكانت هذه هي الهزيمة الأولى من بين سلسلة طويلة من الهزائم التي أحدثت تحولا حاسما في ميزان القوى بين الإسلام والعالم المسيحي خلال القرن الثامن عشر، برغم استجاع القوة من حين لآخر. وكان الشيء المؤلم - بشكل خاص- قيام الروس بضم القرم في عام 1783 م، واحتلال الفرنسيين لمصر في عام 1798 م. ولم يكن القرم أول إقليم يخسره العثمانيون لمصلحة عدو أوروبي. لكن الأراضي التي خسروها في السابق، مثل المجر، ظلت ولايات مسيحية تحت الاحتلال العثماني، لفترة وجيزة على الأرجح، وكان