وهذا النهي الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنع من استقبال الريح لا يصح فيه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يقال بالتعليل، وإنما أوردنا هذا الحديث في هذا الدرس، وقد يظن أنه ليس على شرطنا؛ وذلك أننا ذكرنا أن الأحاديث المعلة التي نوردها هي ما يحتج بها عند الفقهاء ولا يوجد أصل يعضدها، أو حديث صحيح بمعناها، وهذا الحديث لا يوجد حديث صحيح بمعناه، وإنما يقال: إن ما تطاير أو تسبب بوصول البول إلى الإنسان فإن الإنسان ينهى عنه على الإطلاق. وأما استقبال الريح فإن الإنسان إذا قلنا: بالإطلاق يمنع من استقبالها ولو لم تصل إليه، كأن يرى الإنسان إعصارًا أو يرى مثلًا الهواء قد جاء من جهة الشمال وهو في البنيان، فإن هذا نقول: بأنه يشترك على قول من قال بالإطلاق في مسألة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء والبينان، وأنه يلزم من هذا أن يقول بالإطلاق، لأن النص في ذلك لا تعليل فيه، وإنما جاء النهي على الإطلاق، وإن كانت العلة في هذا ظاهرة: وهي أن المنع يؤخذ بقيد إيصال رشاش البول، ولكن يقال: إن المنع في ذلك لا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: باطراد هذه الصورة، أن الإنسان لا يستقبل الريح ولو كان في البنيان، أو لا يستقبل الريح ولو كانت يسيرة، أو لا يستقبل الريح إذا كانت لا تؤذيه أو كانت بعيدةً عنه. وعلى هذا فنقول: إنه لا يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وردت الأحاديث في هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام ربما كان فعلًا من السلف فجعل من المرفوعات، أو كان نهيًا يقرره العلماء، فحمله الضعفاء ومن كان متهمًا في دينه على أنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.