يعني: إذا جاز له {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} هذه رخصة من الرب جل وعلا أن يتلفظ بالكفر أو يفعل الكفر مع اطمئنان القلب هذه رخصة، هل هي لازمة أم مجوزة؟
فيه خلاف بين أهل العلم، والمشهور أنه مجزوة وليست هي بالأفضل، يعني: لا يجب عليه أن يقول كلمة الكفر أو يفعل الكفر، بل يجوز له ذلك، وإن أبى أمتنع أن يقول حتى يقتل كان أفضل، كان ذلك أفضل في حقه. وقال ابن كثير في تفسير الآية: أخبر تعالى عن من كفر به بعد الإيمان والتبصر وشرح صدره بالكفر واطمأن به أنه قد غضب عليهم، لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه. علموا ثم عدلوا لذلك قال: {كَفَرَ} {بَعْدِ إيمَانِهِ} علموا ثم ارتدوا وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة لأنهم {اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} وهذا تعبير أجمل مما ذكره المصنف، لماذا؟ لأن الله تعالى جعل عدولهم عن الإيمان إلى الكفر لأجل استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، فشملت أنواع لا تحصى من الأعذار، {ذَلِكَ} أي: الكفر السابق لأنهم {اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} يعني: قدموا كما قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى: 16] لأنهم {اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا. ثم قال: وأما قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} فهو استثناء من كَفَرَ بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكْرَهًا لِمَا ناله من ضربٍ وأذى وقلبه يأبى ما يقول يمنع وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. فقد روى العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فوافقهم على ذلك مُكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن كثير: ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له مجوزًا يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن بأبى كما كان بلال رضي الله تعالى عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل .. إلى أن قال: .. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمد رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك، ما أخذ برخصة، ما أخذ بالرخصة. ثم قال ابن كثير رحمه الله تعالى: والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلا قتله. انتهى مختصرًا هذا كلامه رحمه الله تعالى، لكن المكره المراد به هنا: هو من ارتفع عن التكليف. وهذا الذي يُذكر في باب أصول الفقه ذكرناه مفصلًا هناك: إن كان كالآلة لا اختيار له فغير مكلف بلا خلاف، يعني: كيف كالآلة؟ لو أُخِذَ وألقي من شاهق على رجل فقتلوه به صار آلة كالسكين، حينئذٍ هذا لا يقدر على الامتناع.