النبي صلى الله عليه وسلم قد بين قبل وفاته هذا الأمر، لاسيما وهو أمر وثيق الصلة بالقرآن إن لم يكن من القرآن ذاته (اليوم أكملت لکم دينکم واتممت عليکم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا(ألا هل بلغت اللهم فاشهد)
(ب) قال القاضي: يبعد أن بقال: إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله على الوجه الذي نزل، ولو جوزنا
في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة، وتجويزه بطرق ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القران، وذلك بخرجه من كونه حجة
(ج) حتى ولو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك قبل وفاته لكان الواجب علينا أن نفهم من هذا أن عدم البيان هو مقصود الشارع، ومعنى هذا أن حكم الشرع فيه هو عدم البسملة وتحريمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركها ولم يبينها، وهو إذ لم يبين أمرا ما كان مني هذا بيانا منه لأن يترك ذلك الأمر وبعدم، وفي هذا يقول أبو السعود: ولا مرية في عدم نزولها ها هنا، وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف، فهو أما الاتحاد السورتين، أو لما ذكرنا: لا سبيل إلى الأول، وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان، لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه عليه الصلاة والسلام تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان العدم. (1)
(د) وكيف نقول أو تسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك قبل وفاته، أو أن سورة التوبة وسورة الأنفال هما سورة واحدة مكملة للسبع الطوال، أو أن الصحابة اختلفوا في ذلك أو توهموا، كيف يكون لهم أن يقولوا ذلك وهذه الأسماء الكثيرة التي ذكرناها آنفا مما ثبت إطلاقه على سورة التوبة من الصدر الأول لم يعرف إطلاق واحد منها على السورة التي قبلها. وهي سورة الأنفال. كما لم يعرف أن أطلق اسم الأنفال على هذه السورة، وبذلك احتفظت كل من السورتين منذ العهد الأول بما لها من اسم لم تشاركها فيه صاحبتها، وكما احتفظت كل من السورتين بما لها من اسم احتفظت كل منهما بوقت نزونها .. فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة پدر، أي في السنة الثانية من الهجرة وسورة التوبة نزلت عند الاستعداد لغزوة تبوك وأثناءها وبعدها، وبعد خروج أبي بكر على رأس المسلمين إلى الحج .. أي في السنة التاسية إلى أواخرها .. وكما احتفظت كل منهما بهذا وذاك أحتفظت كل منهما بهدفها الخاص .. قسورة التوبة عالجت شئونا حدثت بعد زمن طويل من نزول سورة الأنفال، ومعرفتها باسم سورة الأنفال، وسورة الأنفال عالجت شئونا حدثت قبل نزول سورة التوبة ولم يرد لها ذكر فيها، ولاشك أن كل هذه الاعتبارات الواضحة المدينة والمحققة في السورتين من الصدر الأول، تدل دلالة واضحة على أنهما سورتان منفصلتان وأن عدهما سورة واحدة رأي لا قيمة له، كما لا قيمة الاشتباه في استقلال كل منهما حتى يقال: تركت البسملة بينهما نظرا لاحتمال وحدتهماء وتركت بينهما فرجة نظرا لاحتمال انفصالهماء