غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم) [1] ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري ... ) الحديث.
قال ابن حجر رحمه الله في شرحه: ووقع في حديث زيد ابن حارثة أي عن زيد بن عمرو: قال لي شيخ من أحبار الشام: إنك لتسألني عن دين ما أعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا بالجزيرة، قال فقدمت عليه فقال: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك وجميع من رأيتهم في ضلال، وفي رواية الطبراني: وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج فارجع وصد قه وآمن به) ... إلى أن قال رحمه الله: زاد أبو أسامة في روايته: وكان يقول: إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم، وفي رواية ابن اسحق: وكان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على الأرض براحته. اهـ [2]
* وقد بُعث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وحده، فلما دعا الناس إلى ربهم ما آمن معه في أول الدعوة إلا قليل، فقد آمن به أول ما دعا قومه خديجة زوجته وأبو بكر وبلال رضي الله عنه، فعن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال (أنا نبي) فقلت: وما نبي؟ قال (أرسلني الله) فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال (أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء) قلت له: فمن معك على هذا؟ قال (حر وعبد) قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني) ، قال: فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال (نعم أنت الذي لقيتني بمكة ... ) الحديث [3] ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ولا شك هم أهل الحق وهم الجماعة، وغيرهم من أهل الأرض على الشرك والضلال حتى عم الخير وكثر أهل الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا.
* وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد عاد حال الناس شبيها بما كان عليه الإسلام أول أمره، فقد أصبح أهل الإسلام غرباء بين الناس وأصبحت أحكام الإسلام غريبة حتى بين المسلمين أنفسهم، وأصبحت سنة النبي صلى الله عليه وسلم غربية ومن يعمل بها غريبا بين أهل الإسلام، فهم النزاع من القبائل، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث حدث عن هذه الغربة قائلا (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) [4] ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الغرباء بعدة صفات وهي (النزاع من القبائل) [5] (الذين يصلحون عند فساد الناس) ، (الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي) [6] ، والنزاع هم المهاجرون من بلادهم وقبائلهم الذين هجروا أوطانهم الى الله تعالى بعد أن خذلهم الناس وردوا دعوتهم وأبعدوهم.
* وقد ذكر الله تعالى في قرآنه الكريم أن أكثر الناس على وجه العموم ليسوا على الهدى وأنهم أهل جهل وظلم وضلالة، وأن القلة منهم هم أهل الحق وهم الجماعة، فقال تعالى (والله غالب على أمره ولكن أكثر لناس لا يعلمون) [7] ، وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) [8] ، وقال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [9] .
* وقد أخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن أحوال الناس لا تزال في نقص وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا) [10] ،
(1) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصارباب حديث زيد بن عمرو بن نفيل حديث رقم 3827،
(2) راجع فتح الباري ج 7/ 441، سير أعلام النبلاء ج1/ 126 وما بعدها.
(3) رواه مسلم والحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده من حديث عمرو ابن عبسة.
(4) حديث غربة الإسلام عده بعض العلماء من المتواتر، وللحديث روايات متعددة عند مسلم عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنه، والنسائي والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه، وابن ماجة عنهما عن أنس رضي الله عنه، وأحمد في مسنده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ورواه الترمذي عن عوف بن عمرو المزني رضي الله عنه، والطبراني في الكبير والصغير عن عن سلمان الفارسي وسهل بن سعد الساعدي وابن عباس وعبد الرحمن بن سنة رضي الله عنه، ورواه ابن عدي في الكامل والبيهقي في الزهد واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة، وللحديث روايات بالفعل المبني للمجهول بلفظ (بُدئ) ، وهذا الحديث لم يخرجه البخاري وذكر الترمذي في العلل أنه سأل عنه البخاري فقال: حديث حسن.
(5) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي والطبراني وأبو يعلى والبزار وابن أبي شيبة، والحديث مروي عن أبي هريرة وابن مسعود وأنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي وابن عباس رضي الله عنه وذكر الترمذي في العلل أنه سأل عنه البخاري فقال: حديث حسن.
(6) رواه الطبراني وأبو نصر في كتابه الإبانة وأبو نعيم في الحلية والترمذي واللفظ له عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(7) سورة يوسف، الآية: 21.
(8) سورة الأنعام، الآية: 116.
(9) سورة يوسف، الآية: 103.
(10) رواه بهذا اللفظ البخاري وأحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة.