وأما قوله صلى الله عليه وسلم (فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) أو (هي من ورائهم محيطة) فمعناه عند أهل العلم أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن معلنا بالفسق والفساد معروفا بذلك، لأنها دعوة محيطة بهم يجب إجابتها ولا يسع أحدا التخلفُ عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين، فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابة وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الأمة، والسلامة من الاختلاف وأمر بالأجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين من قبلنا.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم (تناصحوا من ولاه الله أمركم) ففيه إيجاب النصحية على العامة لولاة الأمر وهم الأئمة والخلفاء وكذلك سائر الأمراء، وقد قال صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة ثلاثا) قيل: لمن يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لله عز وجل، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) [1] ، ففي هذه الحديث أن من الدين النصح لأئمة المسلمين وهذا أوجب ما يكون، فكل من واكلهم وجالسهم وكل من أمكنه نصح السلطان لزمه ذلك، وروى معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ألا أخاف في الله لومة لائم خير لي أم أقبل على أمري؟ فقال: أما من ولي من أمر المسلمين شيئا فلا يخف في الله لومة لائم، ومن كان خلوا فليقبل على نفسه ولينصح لأميره، وسئل مالك بن أنس: أيأتي الرجل إلى السلطان فيعظه وينصح له ويندبه إلى الخير؟ فقال: إذا رجا أن يسمع منه وإلا فليس ذلك عليه.
قال ابن عبد البر رحمه الله: إنما فر من فر من الأمراء لأنه لا يمكنه أن ينصح لهم ولا يغير عليهم ولا يسلم من متابعتهم، روى كعب بن عجرة رضي الله عنه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منهم ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض) [2] ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن أفضل الجهاد كلمة حق - أو قال كلمة عدل - عند ذي سلطان جائر) ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
(1) صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، وعنون به البخاري في صحيحه، ورواه أيضا أحمد وأبوداود والنسائي وابن حبان وأبو عوانة والبيهقي في السنن الكبرى والاعتقاد والشافعي والطبراني في الكبير عن تميم الداري رضي الله عنه، ورواه أيضا أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي عاصم عن أبي هريرة رضي الله عنه، والدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه الطبراني أيضا عن ثوبان رضي الله عنه بلفظ (رأس الدين النصيحة) .
(2) رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث صحيح غريب، ورواه ابن حبان والبيهقي والطبراني وابن أبي عاصم والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.