الصفحة 9 من 39

ولا يزال الجزائريون يتذكرون جيدا الكلمات الإستفزازية التي أطلقها الطّاغية الهالك"بوضياف"وهو يطّل عليهم بطلعته القبيحة في تصريح رسمي موجّه للشعب والشعب لم يضمّد جراحه وعائلات المعتقلين لم تكفكف بعد دموعها فقال قبّحه الله"لقد رمينا بثلاثة آلاف في الصحراء ونحن مستعدّون لأن نرمي بثلاثة آلاف أخرى كذلك".

لقد كان هذا التصريح بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وكان هذا المجرم هو أوّل رئيس جزائري يتجرّأ بكل برودة على استفزاز مشاعر النّاس، وكان هذا كافيا لأن تمتلئ منه قلوب المسلمين بغضا وحقدا وحنقا، وراحت أيادي الجموع الكثيرة ترفع في جوف الليل الآخر بالدعاء لله عزّ وجلّ أن ينتقم منه ويأخذه أخذ عزيز مقتدر، وكان منظرا متكررا ومؤثّرا وتحدّيا صارخا للسلطة أن أصبح دعاء القنوت عقب الصلوات يسمع في كل الأحياء وهم يردّدون"اللهمّ عليك ببوضياف"، وارتفعت أدعية المظلومين لتخترق عنان السماء ليس بينها وبين الله حجاب، فجاء الردّ سريعا وشافيا وأمام مرأى ومسمع العالم بأسره في صورة استعراضية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجزائر الحديث.

لقد مكّن الله أحد الحراس الشخصيّين لبوضياف وهو الأخ بومعرافي ليفرغ في رأس الطّاغية خزّانا كاملا من الرصّاص، وماهي إلاّ لحظات حتّى تصبح الجثّة هامدة وسط بركة من الدماء فكانت آية من آيات الله في تنكيله بأعدائه وإمضائه لسنّته الجارية في مصارع الظّالمين.

لم يلبث خبر مقتل الطّاغية بوضياف أن انتشر سريعا وتناقلته وسائل الإعلام الدّاخلية والخارجية، وتلته موجة عارمة من الفرح الذي بدا واضحا على عموم الشعب الجزائري، بل لم يملك الكثير نفسه من شدّة الفرح وراح يصرخ معبّرا عن فرحته بإنتقام الله عزّو جل.

وأذكر حينها أنّنا خرجنا في مسيرات بالجامعات نظّمناها انطلاقا من مسجد الجامعة لنعبّر عن فرحتنا ونسمع الظّلمة ما يكرهون، وأذكر أنّه من الشعارات البارزة التي كنّا نردّدها"لا إله إلاّ الله بوضياف عدوّ الله".

كان يوم الجنازة فرصة أخرى للشعب الجزائري للتعبير عن فرحته، لكن السلطة آنذاك أرادت أن تعطي صورة أخرى للرّأي العام الدولي، صورة الشعب الملتحم مع حكّامه، صورة الجماهير التي تبكي بحرقة على فقدان الزعيم، وهي الصورة التي كانت مغايرة تماما للواقع وللحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت