لقد بدأت آلة التعذيب دامية بلا رحمة ولا شفقة، وراحت تطحن وتطحن، فأزهقت النفوس، والتهبت السياط، وتكسّرت الهراوات، وارتعشت الأعضاء من الكهرباء، وسحقت العظام، ونهشت الكلاب اللحوم، ومزّقت الأجساد، وانتهكت الأعراض، وتفحّمت الجثث في غياهب الأفران ..
كانت التعليمات التي ترسل آنذاك من القيادات العسكرية: كل الطرق جائزة لإستخراج الإعترافات، ولترويض الخارجين عن الصّف.
فلا حدود أخلاقية تحترم في ذلك، ولا حقوق الإنسان التي طالما تشدّقوا بها تردعهم عن ذلك، ولا حتّى قوانينهم التي كانوا هم أوّل من داس عليها وكفر بها حين تعلق الأمر بأبناء الإسلام الذين لا حيلة لهم ولا قوّة.
كانت الدّماء تسيل بغزارة على طاولات التعذيب، وأعداد الضحايا تزداد يوما بعد يوم لتنظاف إلى قافلة الشهداء التي بدأت تكبر وتكبر، فما من مخفر للشرطة أو الدرك أو المخابرات وما من حيّ من أحياء العاصمة أو بقية الولايات الجزائرية بشتّى دوائرها إلاّ وأصبح مرتعا خصبا لتلك الكلاب البشرية تمارس فيه تلك الأساليب الخسيسة والطرق الوحشية التي فاقت كل تصوّر.
ولقد ذقت جزءًا من ذلك النكال الشديد، وليس من ذاق كمن سمع من بعيد، وكان إخوة كثيرون في سجون الظّلمة يحكون تجاربهم المؤلمة، فما أن تسمع حكاية أحدهم حتّى تنسيك في سابقاتها، وكان يكفي سماع جزء من تلك الحكايات بما فيها من فصول مروّعة حتّى تتوفر لديك المادّة الضرورية لتأليف موسوعة لتلك البطولات المخزية التي خاضها حكّام خونّة تجاه شعب أعزل.
لكن سنكتفي في هذه الصفحات بذكر أهمّ الأساليب التي كانت تمارس في التعذيب بشكل منتشر ومتكرر، فالغرض هو الإيجاز وليس التفصيل، مع أنّه يجدر الإشارة هنا إلى أنّ ما سيذكر الآن هو بخصوص المرحلة الأولى فقط وهي مرحلة الإحتجاز والإستنطاق قبل أن تقاد بعدها إلى غياهب السجون وهذا طبعا إن كنت من المحظوظين، فإن كانت الأخرى فستلفظ أنفاسك ويرمى بك في أحد الأحياء ليقرأ النّاس مع الصباح على صفحات الجرائد أنّه تمّ القضاء على إرهابي أو أكثر في عملية ناجحة للفرق الخّاصة للشرطة.
كان يكفي وأنت تقاد إلى غرفة التعذيب وتدخلها حتّى ينخلع قلبك وأنت ترى إخوانك هناك في جلسات التعذيب يصرخون ويتألّمون، مجرّدين من الثياب ولا تكاد تعرف