أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر بحسب حالهم وما فعلوه، وهذا معلوم مستفيض لمن قرأ سيرته وسأذكر طرفا من ذلك للتذكير:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، مرتين) [1] فقد ارتكب خالد رضي الله عنه مخالفة حيث قتل هؤلاء القوم وقد أسلموا، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دياتهم وما تلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب، والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عزل خالدا ولا أخرجه من الجيش ولا أوقف الجهاد لهذا الفعل، بل فعل ما يجب عليه شرعا بدفع دياتهم وأنكر على خالد بحسب ما فعل [2]
وعن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي أن تطيعوني، قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبا فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها، فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف) [3] فقد أمرهم هذا الأمير بالدخول في النار ولا شك أن هذه معصية وقتل نفس بغير حق ومع ذلك فلم يوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ولا أخرجهم من الجند حتى يستكملوا التربية ولا قال مثل ما يقول هؤلاء.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو في النار) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها [4] ، فهذا رجل قد استأمنه النبي صلى الله عليه وسلم على غنائم المسلمين ولكن نفسه أمرته بالسوء فغل منها عباءة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تشتمل عليه في النار، ومع هذا ما علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوقف الجهاد حتى يتأكد من اكتمال تربية المجاهدين أو منع القوم من الجهاد بحجة معصية بعضهم.
(1) رواه البخاري في باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، ورواه أيضا أحمد وابن حبان والنسائي والبيهقي.
(2) راجع تفسير ابن كثير ج1/ 536.
(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وأبو يعلى.
(4) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي.