الصفحة 20 من 23

وقال ابن حجر رحمه الله: وبعد أن سرد الأحاديث التي وردت في الخوارج قال ابن جرير: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما؛ فإنه مُبطل لقوله صلى الله عليه وسلم (يمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء) ، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين إلا لخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. اهـ [1]

وقال ابن حجر أيضا رحمه الله: وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه؛ ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام. اهـ [2]

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كلامه عمن نطق بكلمة الكفر ولا يعرف أنها تكفره: وأما كونه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله تعالى {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، فهم يعتذرون من النبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لا تكفرهم، والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [3] ، {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} [4] ، {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [5] ، أيظن هؤلاء ليسوا كفارا؟ ولا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها. اهـ [6]

وقال ابن عابدين في شرح قول الماتن: (من هزل بلفظ الكفر ارتد) ، قال: وإن لم يعتقده للاستخفاف؛ فهو ككفر العناد، أي من تكلم به باختياره غير قاصد معناه. ا هـ [7]

وقال أيضا: قال في البحر: إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عامدا لكنه لم يعتقد الكفر، قال بعض أصحابنا لا يكفر لأن الكفر متعلق بالضمير، ولم يعقد الضمير على الكفر، وقال بعضهم يكفر وهو الصحيح عندي لأنه استخف بدينه ... إلى أن قال: وقال صاحب البحر: والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلا أو لاعبا كفر عند الكل، ولا اعتبار لاعتقاده كما صرح به في الخانية، ومن تكلم بها مخطئا أو مكرها لا يكفر عند الكل، ومن تكلم بها عامدا عالما كفر عند الكل، ومن تكلم بها اختيارا جاهلا بأنها كفر ففيه اختلاف. اهـ [8]

قلت: ومن تدبر كلام ابن عابدين علم السبب الحقيقي لقول من قال لا يكفر إلا من اعتقد الكفر بقلبه، فإن مرجع ذلك هو الخطأ في الكلام على مسمى الإيمان، وذلك واضح في نقله عن صاحب البحر أنه قال: قال بعض أصحابنا لا يكفر لأن الكفر متعلق بالضمير، ولم يعقد الضمير على الكفر.

فإنهم لما قالوا إن الإيمان هو التصديق القلبي جعلوا الكفر هو ذهاب ذلك التصديق فقط، ولما كان التصديق متعلق بالقلب والضمير، فإنهم أرجعوا الكفر إلى القلب والضمير أيضا.

(1) فتح الباري، ج 12/ 313، باب من ترك قتال الخوارج للتأليف.

(2) السابق، ج 12/ 315.

(3) سورة الكهف، الآية: 104.

(4) سورة الأعراف، الآية: 30.

(5) سورة الزخرف، الآية: 27.

(6) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج 8 كتاب المرتد / 105.

(7) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج 4/ 222.

(8) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج 3/ 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت