إن هذا القصص يصور طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر في نفوس البشر؛ ويعرض نموذجًا مكررًا للقلوب المستعدة للإيمان، ونموذجًا مكررًا للقلوب المستعدة للكفر أيضًا .. إن الذين آمنوا بكل رسول لم يكن في قلوبهم الاستكبار عن الاستسلام لله والطاعة لرسوله؛ ولم يعجبوا أن يختار الله واحدًا منهم ليبلغهم وينذرهم فأما الذين كفروا بكل رسول فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم، فاستكبروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب في أيديهم لله صاحب الخلق والأمر، وأن يسمعوا لواحد منهم .. كانوا هم"الملأ"من الحكام والكبار والوجهاء وذوي السلطان في قومهم .. ومن هنا نعرف عقدة هذا الدين .. إنها عقدة الحاكمية والسلطان .. فالملأ كانوا يحسون دائمًا ما في قول رسولهم لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} .. {ولكني رسول من رب العالمين} .. كانوا يحسون أن الألوهية الواحدة والربوبية الشاملة تعني - أول ما تعني - نزع السلطان المغتصب من أيديهم؛ ورده إلى صاحبه الشرعي .. إلى الله رب العالمين .. وهذا ما كانوا يقاومون في سبيله حتى يكونوا من الهالكين! وقد بلغ من عقدة السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم بالغابر، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك، كما يسلك طريقه إلى جهنم كذلك! .. إن مصارع المكذبين- كما يعرضها هذا القصص - تجري على سنة لا تتبدل: نسيان لآيات الله وانحراف عن طريقه. إنذار من الله للغافلين على يد رسول. استكبار عن العبودية لله وحده والخضوع لرب العالمين. اغترار بالرخاء واستهزاء بالإنذار واستعجال للعذاب. طغيان وتهديد وإيذاء للمؤمنين. ثبات من المؤمنين ومفاصلة على العقيدة .. ثم المصرع الذي يأتي وفق سنة الله على مدار التاريخ!
وأخيرًا فإن طاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق .. وحتى حين يريد الحق أن يعيش في عزلة عن الباطل - تاركًا مصيرهما لفتح الله وقضائه - فإن الباطل لا يقبل منه هذا الموقف. بل يتابع الحق وينازله ويطارده .. ولقد قال شعيب لقومه: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين} .. ولكنهم لم يقبلوا منه هذه الخطة، ولم يطيقوا رؤية الحق يعيش؛ ولا رؤية جماعة تدين لله وحده وتخرج من سلطان الطواغيت: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} .. وهنا صدع شعيب بالحق رافضًا هذا الذي يعرضه عليهم الطواغيت: {قال: أو لو كنا كارهين؟ قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها .. } .
ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضًا، وأنه لا يجديهم فتيلًا أن يتقوها ويتجنبوها. فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها، وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده .. فلا مفر من خوض المعركة، والصبر عليها، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها؛ وأن يقولوا مع شعيب: {على الله توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} .. ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ ..
ونكتفي بهذه المعالم في طريق القصص القرآني، حتى نستعرض النصوص بالتفصيل: