فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 246

(5) الداعية عليه أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى أهل بيته وأن يؤمن القلعة من داخلها؛ فكما هو مكلف هداية نفسه وإصلاح قلبه؛ فإنه مكلف هداية أهله وإصلاح بيته. ثم عليه أن يتجه بالدعوة إلى عشيرته الأقربين؛ مؤكًدا خلال ذلك كله على مبدأ التبعة والمسئولية الفردية. وعليه أيضًا تركيز الدعوة في لين وتواضع ورفق على أصحاب القلوب المقبلة على دعوة الله؛ لا على أصحاب الأطماع الخاصة؛ ولا على المعرضين عن الدعوة، بل هؤلاء المعرضون عن دعوة الحق ومنهجه، يعرض عنهم لكن في أدب ووقار وترفع.

إن تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله تبعة ثقيلة رهيبة. فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله، وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك. إنها نار. فظيعة متعسرة: {وقودها الناس والحجارة} .. الناس فيها كالحجارة سواء. في مهانة الحجارة! وفي رخص الحجارة. وفي قذف الحجارة. دون اعتبار ولا عناية. وما أفظعها نارًا هذه التي توقد بالحجارة! وما أشده عذابًا هذا الذي يجمع إلى شدة اللذع المهانة والحقارة! وكل ما بها وما يلابسها فظيع رهيب: {عليها ملائكة غلاظ شداد} . تتناسب طبيعتهم مع طبيعة العذاب الذي هم به موكلون .. {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} .. فمن خصائصهم طاعة الله فيما يأمرهم، ومن خصائصهم كذلك القدرة على النهوض بما يأمرهم .. وهم بغلظتهم هذه وشدتهم موكلون بهذه النار الشديدة الغليظة. وعلى المؤمن أن يقي نفسه وأن يقي أهله من هذه النار. وعليه أن يحول بينها وبينهم قبل أن تضيع الفرصة ولا ينفع الاعتذار. فهاهم أولاء الذين كفروا يعتذرون وهم عليها وقوف، فلا يؤبه لاعتذارهم، بل يجبهون بالتيئيس:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ..

لا تعتذروا فليس اليوم يوم اعتذار، إنما هو يوم الجزاء على ما كان من عمل. وقد عملتم ما تجزون عليه بهذه النار!

فكيف يقي المؤمنون أنفسهم وأهليهم من هذه النار؟ إنه يبين لهم الطريق، ويطمعهم بالرجاء:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ..

هذا هو الطريق. ز توبة نصوح .. توبة تنصح القلب وتخلصه، ثم لا تغشه ولا تخدعه.

توبة عن الذنب والمعصية، تبدأ بالندم على ما كان، وتنتهي بالعمل الصالح والطاعة، فهي عندئذ تنصح القلب فتخلصه من رواسب المعاصي وعكارها؛ وتحضه على العمل الصالح بعدها، فهذه هي التوبة النصوح. التوبة التي تظل تذكر القلب بعدها وتنصحه فلا يعود إلى الذنوب.

فإذا كانت هذه التوبة فهي مرجوة إذن في أن يكفر الله بها السيئات. وأن يدخلهم الجنات. في اليوم الذي يخزي فيه الكفار كما هم في المشهد الذي سبق في السياق. ولا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه.

وإنه لإغراء مطمع، وتكريم عظيم، أن يضم الله المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجعلهم معه صفًا يتلقى الكرامة في يوم الخزي. ثم يجعل لهم نورًا {يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} . نورًا يعرفون به في ذلك اليوم الهائل المائج العصيب الرهيب. ونورًا يهتدون به في الزحام المريج. ونورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة في نهاية المطاف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت