إن التلطف في دعوة الناس إلى الله، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها .. إن الحقيقة يجب أن تبلغ إليهم كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة ..
ولقد ينظر بعضنا اليوم - مثلًا - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض، وهم أصحاب كلمة مسموعة، في الشئون الدولية. وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة وينظر فيرى الذين يقولون: إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم .. فيتعاظمه الأمر، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم"الدين"الحق!
وليس هذا هو الطريق .. إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعًا - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلال؛ ولا ضخامة الباطل .. فالباطل ركام .. وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء .. كذلك ينبغي أن تستأنف .. وقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} .
وينتهي هذا المقطع بالبيان الأخير عن"الدين"الذي يقبله الله من الناس، أيًا كان وصفهم وعنوانهم وما كانوا عليه قبل بعثة النبي الأخير؛ والذي يلتقي عليه المتفرقون في الملل والنحل فيما غبر من التاريخ.