فمنهن سبقي العاذلات بشربة كُمَيْتٍ متى ما تعل بالماء تزبد!
الخ
وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع .. كالذي روته عائشة رضي الله عنها:
"إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته، فيصدقها ثم ينكحها .. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها - أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه. ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن - فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك"... (أخرجه البخاري في كتاب النكاح) .
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين ..
وكان واجدًا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسًا طيبة، يؤذيها هذا الدنس؛ وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير ..
وربما قال قائل: إنه لو صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة؛ تتطهر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها .. بدلًا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا الله المعارضة القوية منذ أول الطريق!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الطريق .. لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم؛ وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم؛ كما تقرر الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة؛ وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك؛ بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!
فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لما تحرر الناس من سلطان العبيد، ومن سلطان الشهوات سواء .. لما تقررت في القلوب:"لا إله إلا الله".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون ..
تطهرت الأرض من الرومان والفرس .. لا ليتقرر فيها سلطان العرب .. ولكن ليتقرر فيها سلطان الله .. لقد تطهرت من الطاغوت كله: رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء.
وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده؛ ويسميها راية الإسلام، لا يقرن إليها اسمًا آخر؛ ويكتب عليها"لا إله إلا الله"!