فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 246

(1) إن بناء العقيدة وتمكينها وشمولها واستغراقها لشعاب النفس كلها هي ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة. فالاستسلام ابتداءً هو مقتضى الإيمان. فإذا ما تحقق الاستسلام خضعت النفوس بعد ذلك لتنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول. ولكي يقوم النظام المسلم في الأرض فلابد أولًا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة"لا إله إلا الله"ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة. ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة. دعوتهم إلى إقرار عقيدة"لا إله إلا الله"بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم؛ وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم. فالدعوة إلى الله دعوة واضحة بسيطة مستقيمة تخاطب فطرة الإنسان وتنبه قلبه وعقله وتوقظ عقله ومشاعره.

قضية العقيدة هي قضية الدعوة

ومادتها ومبدؤها ومنتهاها

القرآن المكي .. القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى!

لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد،"قضية العقيدة"ممثلة في قاعدتها الرئيسية .. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.

لقد كان يخاطب بهذه القضية"الإنسان". الإنسان بما أنه إنسان .. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان. كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!

إنها قضية"الإنسان"التي لا تتغير، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء، وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء .. وهي قضية لا تتغير، لأنها قضية الوجود والإنسان!

لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله .. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؛ وكيف جاء؛ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟ .. وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيبًا يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ .. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضًا، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد.

وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود"الإنسان". وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده، على توالي الأزمان ..

وهكذا انقضت ثلاثة عشر عامًا في تقرير هذه القضية الكبرى. القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.

ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقرارًا مكينًا ثابتًا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها؛ وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.

وأصحاب الدعوة إلى دين الله، وإقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة؛ خليقون أن يقفوا طويلًا أمام هذه الظاهرة الكبيرة .. ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عامًا .. لتقرير هذه العقيدة؛ ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها ..

لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة. وأن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى خطواته في الدعوة، بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت