فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 246

والأنكال ـ هي القيود ـ والجحيم والطعام ذو الغصة الذي يمزق الحلوق والعذاب الأليم .. كلها جزاء مناسب «لأولي النعمة» ، الذين لم يرعوا النعمة، ولم يشكروا المنعم، فاصبر يا محمد عليهم صبرا جميلًا وخل بيني وبينهم، ودعهم فإن عندنا قيودا تنكل بهم وتؤذيهم، وجحيما تجحمهم وتصليهم، وطعاما تلازمه الغصة في الحلق، وعذابا أليما في يوم مخيف ..

ثم يرسم مشهد هذا اليوم المخيف:

{يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلًا} ..

فها هي ذي صورة للهول تتجاوز الناس إلى الأرض في أكبر مجاليها، فترجف وتخاف وتتفتت وتنهار، فكيف بالناس المهازيل الضعاف ويلتفت السياق أمام مشهد الهول المفزع، إلى المكذبين أولي النعمة، يذكرهم فرعون الجبار، وكيف أخذه الله أخذ عزيز قهار:

{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} ..

هكذا في اختصار يهز قلوبهم ويخلعها خلعا، بعد مشهد الأرض والجبال وهي ترجف وتنهار.

فذلك أخذ الآخرة وهذا أخذ الدنيا، فكيف تنجون بأنفسكم وتقوها هذا الهول الرهيب؟

{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} ..

وإن صورة الهول هنا لتنشق لها السماء، ومن قبل رجفت لها الأرض والجبال، وإنها لتشيب الولدان، وإنه لهول ترتسم صوره في الطبيعة الصامتة، وفي الإنسانية الحية .. في مشاهد ينقلها السياق القرآني إلى حس المخاطبين كأنها واقعة .. ثم يؤكدها تأكيدًا، {كان وعده مفعولًا} .. واقعًا لا خلف فيه، وهو ما شاء فعل وما أراد كان.

وأمام هذا الهول الذي يتمثل في الكون كما يتمثل في النفس يلمس قلوبهم لتتذكر وتختار طريق السلامة .. طريق الله ...

{إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا} ..

وإن السبيل إلى الله لآمن وأيسر، من السبيل المريب، إلى هذا الهول العصيب.

وبينما تزلزل هذه الآيات قوائم المكذبين، تنزل على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة المستضعفة إذ ذاك بالروح والثقة واليقين، إذ يحسون أن ربهم معهم، يقتل أعداءهم وينكل بهم، وإن هي إلا مهلة قصيرة، إلى أجل معلوم، ثم يقضى الأمر، حينما يجيء الأجل ويأخذ الله أعداءه وأعداءهم بالنكال والجحيم والعذاب الأليم.

إن الله لا يدع أولياءه لأعدائه، ولو أمهل أعداءه إلى حين ...

والآن يجيء شطر السورة الثاني في آية واحدة طويلة، نزلت بعد مطلع السورة بعام على أرجح الأقوال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت