فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 246

(3) البلاء والابتلاء سنة من سنن الدعوة لابد من وقوعها أثناء مجاهدة أهل الباطل. والفتنة في طريق الدعوة لا تكون بالشدة والحرمان وحدهما، إنها كذلك تكون بالرخاء وبالعطاء أيضًا. ومن الرخاء والعطاء هبة الأموال والأولاد. إنها من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، يبلوا بها الله عباده ويفتنهم فيها. وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة والإيذاء للجماعة المسلمة باختلاف الزمان، ولكن يبقى زاد الطريق دائمًا الصبر والتقوى والعزيمة الصادقة وقوة الاحتمال وعلى الدعاة أن يكونوا قدوة للناس في هذه الأمور الخلقية والنفسية والسلوكية، ثابتين على البذل، ماضين على المنهج في السراء والضراء، مستعينين بالاستغفار وقراءة القرآن وقيام الليل والذكر والتفكر، في إطار من التعبد لله وحده ورد الأمر كله إليه.

ومرة أخرى يتكرر الهتاف للذين آمنوا. الهتاف بهم ليستجيبوا لله والرسول، مع الترغيب في الاستجابة والترهيب من الإعراض، والتذكير بنعمة الله عليهم حين استجابوا لله وللرسول:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ..

إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنما يدعوهم إلى ما يحييهم .. إنها دعوة إلى الحياة لكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة ..

إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء ..

ويدعوهم إلى شريعة من عند الله، تعلن تحرر «الإنسان» وتكريمه بصدورها عن الله وحده، ووقوف البشر كلهم صفًا متساوين في مواجهتها، لا يتحكم فرد في شعب، ولا طبقة في أمة، ولا جنس في جنس، ولا قوم في قوم .. ولكنهم ينطلقون كلهم أحرارا متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد.

ويدعوهم إلى منهج للحياة، ومنهج للفكر، ومنهج للتصور، يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة، المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان، العليم بما خلق، هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد، ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابى البناء.

ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم، والثقة بدينهم وبربهم، والانطلاق في «الأرض» كلها لتحرير «الإنسان» بجملته، وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده، وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله، فاستلبها منه الطغاة.

ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، لتقرير ألوهية الله سبحانه- في الأرض وفي حياة الناس، وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة، ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله- سبحانه- وحاكميته وسلطانه، حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده، وعندئذ يكون الدين كله لله. حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت