فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 246

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق ـ إن الشهداء لمختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه ـ سبحانه ـ فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد، إنما اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص .. إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه ـ سبحانه ـ ويخصهم بقربه.

ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، يستشهدهم فيؤدون الشهادة، يؤدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق، وتقريره في دنيا الناس، يطلب الله ـ سبحانه ـ منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحق، وعلى أنهم آمنوا به، وتجردوا له، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس .. يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون .. وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت، وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال.

وكل من ينطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لا يقال له إنه شهد، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها، ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلهًا، ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله. فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد، وأخص خصائص العبودية التلقي من الله .. ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد بما أنه رسول الله. ولا يعتمد مصدرًا آخر للتلقي إلا هذا المصدر.

ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، كما بلغها محمد-صلى الله عليه وسلم- فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس، والذي بلغه عنه محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثناء.

فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله، فهو إذن شهيد، أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها، واتخذه الله شهيدا .. ورزقه هذا المقام.

هذا فقه ذلك التعبير العجيب:

«ويتخذ منكم شهداء .. » ..

وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومقتضاه .. لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع.

«والله لا يحب الظالمين» .

والظلم كثيرًا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك. بوصفه أظلم الظلم وأقبحه، وفي القرآن: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أنه قال: قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك .. » ...

وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين، فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين، فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله، والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين، يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين، وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد، لها مناسبتها الحاضرة، فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه، وهذا هو مقام الاستشهاد، وفي هذا تكون الشهادة، ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء.

ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث، في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى، ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين، وستارا لقدرته في هلاك المكذبين:

{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت