فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 246

وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض، وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك .. ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة، بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه، وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل، وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة: إن ما جري للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدًا، وذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة، وكي تحذر الانزلاق مع المكذبين جهة أخرى، وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير، وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير.

وعلى أثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة وللعبرة بهذا البيان.

{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} ...

هذا بيان للناس كافة، فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي، ولكن طائفة خاصة هي التي تجد فيه الهدي، وتجد فيه الموعظة، وتنتفع به وتصل على هداه .. طائفة «المتقين» .

إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها، والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل، وبالهدي والضلال .. إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل، إنما تنقص الناس الرغبة في الحق، والقدرة على اختيار طريقه، والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان، ولا يحفظهما إلا التقوى .. ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات، تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق، ومن هدى، ومن نور، ومن موعظة، ومن عبرة .. إنما هي للمؤمنين وللمتقين، فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة، وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة .. واحتمال مشقات الطريق .. وهذا هو الأمر، وهذا هو لب المسألة .. لا مجرد العلم والمعرفة .. فكم ممن يعلمون ويعرفون، وهم في حمأة الباطل يتمرغون، إما خضوعا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة، وإما خوفًا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة.

وبعد هذا البيان العريض يتجه إلى المسلمين بالتقوية والتأسية والتثبيت:

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ..

لا تهنوا ـ من الوهن والضعف ـ ولا تحزنوا ـ لما أصابكم ولما فاتكم ـ وأنتم الأعلون .. عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده، وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، ومنهجكم أعلى، فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله، وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله، ودوركم أعلى، فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها، الهداة لهذه البشرية كلها، وهم شاردون عن المنهج، ضالون عن الطريق، ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وهم إلى الفناء والنسيان صائرون .. فإن كنتم مؤمنين حقًا فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقًا لا تهنوا ولا تحزنوا، إنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا، على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص:

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت