ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في وصف المجتمعات البشرية الحاضرة، وإغراقها في الجاهلية، من العقيدة إلى الخلق، ومن التصور إلى أوضاع الحياة، ونحسب أن هذه الإشارات المجملة تكفي لتقرير ملامح الجاهلية في المجتمعات البشرية الحاضرة، ولتقرير حقيقة ما تستهدفه الدعوة الإسلامية اليوم وما يستهدفه الدعاة إلى دين الله، إنها دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام: عقيدة وخلقا ونظاما، إنها ذات المحاولة التي كان يتصدى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها ذات النقطة التي بدأ منها دعوته أول مرة، وإنه ذات الموقف الذي وقفه بهذا الكتاب الذي أنزل إليه، وربه ـ سبحاه ـ يخاطبه:
{كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
وفي الوقت الذي وجه الله ـ سبحانه ـ هذا التكليف إلى رسوله، وجه إلى قومه المخاطبين بهذا القرآن أول مرة ـ وإلى كل قوم يواجههم الإسلام ليخرجهم من الجاهلية ـ الأمر بإتباع ما أنزل في هذا الكتاب، والنهي عن إتباع الأولياء من دون الله، ذلك أن القضية في صميمها هي قضية"الإتباع"من يتبع البشر في حياتهم؟ يتبعون أمر الله فهم مسلمون، أم يتبعون أمر غيره فهم مشركون؟ إنهما موقفان مختلفان لا يجتمعان:
{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}
هذه هي قضية هذا الدين الأساسية .. إنه إما إتباع لما أنزل الله فهو الإسلام لله، والاعتراف له بالربوبية، وإفراده بالحاكمية التي تأمر فتطاع، ويتبع أمرها ونهيها دون سواه .. وإما إتباع للأولياء من دونه فهو الشرك، وهو رفض الاعتراف لله بالربوبية الخالصة .. وكيف والحاكمية ليست خالصة له سبحانه؟
وفي الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم كان الكتاب منزلًا إليه بشخصه:"كتاب أنزل إليك"وفي الخطاب للبشر كان الكتاب كذلك منزلًا إليهم من ربهم"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم"فأما الرسول صلى الله عليه وسلم فالكتاب منزل إليه ليؤمن به ولينذر ويذكر، وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره .. والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتحضيض والاستجاشة، فالذي ينزل له ربه كتابًا، ويختاره لهذا الأمر، ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر، وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر ...