ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكرًا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها. إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية. وهى من ألزم صفات القيادة. أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوبا في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان، لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية. والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالا جامدة، وليست نصوصا حرفية، إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة. والبحث في أشكال الأنظمة الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدى إلى شيء .. وليس هذا كلامًا عائما غير مضبوط كما قد يبدو لأول وهلة لمن لا يعرف حقيقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية. فهذه العقيدة- في أصولها الإعتقادية البحتة، وقبل أي التفات إلى الأنظمة فيها- تحوى حقائق نفسية وعقلية هي في ذاتها شيء له وجود وفاعلية وأثر في الكيان البشرى، يهيئ لإفراز أشكال معينة من النظم وأوضاع معينة في الحياة البشرية، ثم تجيء النصوص بعد ذلك مشيرة إلى هذه الأشكال والأوضاع، لمجرد تنظيمها لا لخلقها وإنشائها. ولكي يقوم أي شكل من أشكال النظم الإسلامية، لابد قبلها من وجود مسلمين، ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر، وإلا فكل الأشكال التنظيمية لا تفي بالحاجة، ولا تحقق نظاما يصح وصفه بأنه إسلامي .. ومتى وجد المسلمون حقًا، ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته، نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية، وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها، وتحقق المبادئ الإسلامية الكلية خير تحقيق.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ..
وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة. ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيهًا مبكرًا في حياة الجماعة الإسلامية. بل إنه ولد مع مولدها.
ولابد للدعوة من الإنفاق. لابد منه تطهيرا للقلب من الشح، واستعلاء على حب الملك، وثقة بما عند الله. وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان. ثم إنها ضرورية كذلك لحياة الجماعة. فالدعوة كفاح. ولابد من التكافل في هذا الكفاح وجرائره وآثاره. وأحيانًا يكون هذا التكافل كاملًا بحيث لا يبقى لأحد مال متميز. كما حدث في أول العهد بهجرة المهاجرين من مكة، ونزولهم على إخوانهم في المدينة. حتى إذا هدأت حدة الظروف وضعت الأسس الدائمة للإنفاق في الزكاة.
وعلى أية حال فالإنفاق في عمومه سمة من سمات الجماعة المؤمنة المختارة للقيادة بهذه الصفات ..
{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} .
وذكر هذه الصفة في القرآن المكي ذو دلالة خاصة كما سلف. فهي تقرير لصفة أساسية في الجماعة المسلمة صفة الانتصار من البغي، وعدم الخضوع للظلم. وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس لتكون خير أمة لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل، وهي عزيزة بالله. {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} .. فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي وان تدفع العدوان، وإذا كانت هناك فترة اقتضت لأسباب محلية في مكة، ولمقتضيات تربوية في حياة المسلمين الأوائل من العرب خاصة، أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فذلك أمر عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصيلة.
ولقد كانت هناك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي: