إن الإسلام هو التحرر المطلق من العبودية للعبيد. والنظام الإسلامي هو وحده من بين سائر النظم الذي يحقق هذا التحرر .. إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .. يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبيد الناس. حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس- في صورة من الصور- ويرجع الأمر فيه على مجموعة من الناس - على أي وضع من الأوضاع وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابًا من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.
وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة، ويصبح حرًا، يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء. كلهم يقفون في مستوى واحد ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله فإنما يخضعون لله وحده. ومن ثم يتحررون حقًا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدًا لله بلا شريك. وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية - في كل صورة من صورها - وبين الإسلام.
إن الدين هو النظام الذي قرره الله للحياة البشرية بجملتها، والمنهج الذي يسير عليه نشاط الحياة برمتها. والله هو وحده صاحب الحق في وضع هذا المنهج بلا شريك. والدين هو الإتباع والطاعة للقيادة الربانية التي لها وحدها حق الطاعة والإتباع، ومنها وحدها يكون التلقي، ولها وحدها يكون الاستسلام .. فالمجتمع المسلم مجتمع له قيادة خاصة - كما له عقيدة خاصة وتصور خاص - قيادة ربانية متمثلة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيما يبلغه عن ربه مما هو باق بعده من شريعة الله ومنهجه. وتبعية هذا المجتمع لهذه القيادة هي التي تمنحه حق الإسلام وتجعل منه (مجتمعًا مسلمًا) . وبغير هذه التبعية المطلقة لا يكون (مسلمًا) بحال. وبشرط. وهذه التبعية هي التحاكم إلى الله والرسول ورد الأمر كله إلى الله والرضى بحكم رسوله وتنفيذه مع القبول والتسليم.
وهكذا يتحدد معنى الدين، وحد الإيمان، وشرط الإسلام، ونظام المجتمع المسلم، ومنهجه في الحياة، وهكذا لا يعود الإيمان مجرد مشاعر وتصورات، ولا يعود الإسلام مجرد كلمات وشعارات، ولا مجرد شعائر تعبدية وصلوات. إنما هو إلى جانب هذا وذاك، وقبل هذا وذاك نظام يحكم ومنهج يتحكم، وقيادة تطاع، ووضع يستند إلى نظام معين، ومنهج معين، وقيادة معينة. وبغير هذا كله لا يكون إسلام، ولا يكون مجتمع ينسب نفسه إلى الإسلام.
يترتب على ذلك أن تكون التنظيمات الاجتماعية كلها في المجتمع- شأنها شأن الشعائر التعبدية- مرتكنة إلى هذا الأصل الكبير، مستندة إلى معنى الدين، و حد الإيمان، وشرط الإسلام، على هذا النحو الذي قرره الله سبحانه فهي ليست مجرد تنظيمات وتشريعات، إنما هي مقتضيات الإيمان بالله والاعتراف بألوهيته، وإفراده بالألوهية، والتلقي من القيادة التي يحددها .. ومن ثم ترى كل التشريعات والتنظيمات تستند إلى هذه الجهة.