الصفحة 18 من 71

وروى أبو عبيدة أيضًا عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يُسْأَلُ عن قول الله تعالى {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14] قال: الأرض، وأنشد لأمية بن أبي الصَّلْت:

وفيها لحم ساهرةٍ وَبحْرِ

وقال أبو عُبيدةَ: يجوز هذا عندي فيما كان من الغريب والإعراب، فأمّا ما كان من الحلال والحرام، والأمر والنّهي، والنّاسخ والمنسوخ، فليس لبشرٍ أن يتكلّم فيه برأيه إلاّ ما فسَّرته سُنَّةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه الصحابة والتابعون بإحسانٍ بعدهم )) (1) .

وشيء آخر يدفع الناس إلى طلب العربية، هو حجيّتها، وكونها دليلًا شرعيًا فيما يرجع فيه إلى اللغة عند الخلاف:"إذا كان التنازُعُ في اسم أوصفةٍ، أو شيءٍ ممّا تستعمله العربُ العربُ من سننها في حقيقةٍ ومجاز، وما أشبه ذلك" (2) .

وقد رتَّب ابن فارسٍ على هذا أن جعل:"العلم بلغة العرب واجبًا على كُلِّ متعلِّقٍ من العلم بالقرآن والسنة والفتيا بسبب، حتّى لا غناء بأحدٍ منهم عنه، وذلك أنّ القرآن نازلٌ بلغة العرب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عربيٌّ، فمن أراد معرفة ما في كتاب الله جلّ وعزّ وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل كلمٍ غريب، أو نظمٍ عجيب، لم يجد من العلم باللُّغة"

بُدًّا" (3) ."

وهذا يفسِّر عناية ابن فارسٍ وغيره بعلوم العربيّة؛ لأنّهم ربطوها بأصلٍ

(1) السابق ص 50.

(2) السابق ص 131 - 133.

(3) ابن فارس، الصاحبي ص 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت