يجب عليكم الصوم والمطلع واحد، وكثير من العلماء ينادون في هذا العصر بتوحيد الرؤية لأجل الانضباط ولأن الناس الآن منهم من يصوم في هذا اليوم ومنهم من يصوم في الغد ومنهم من يصوم في اليوم الثالث فإذا رؤي في بلد فإن من جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم أنهم يصومون معه ولا سيما أنه قد قال بهذا جماعة من الأئمة المتقدمين بل منهم من قال يجب وهذا مأثور عن بعض المالكية أما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال: أن الرؤية تكفي ولم يوجبه ولكنه مذهب عنده ومنهم من أنكر هذا القول وأن لكل بلد رؤيته حيث اختلفت الآن البلاد ولكل بلد أميره والمسئول عنه وأن الأحكام تتعلق به دون غيره وهذا أيضًا فيه إشكالية أن البلاد قد تتحد مطالعها وتختلف رئاستها فكيف نربط الحكم بالرئاسة؟ وهذا فيه نظر أيضًا.
ومنهم من قال يجب توحيد الرؤية بشرط أن يكون للمسلمين إمام أعظم فإنه هو الذي يستطيع أن يوحد الرؤية ولأن أمره هو النافذ ولا سيما في مثل هذه المسائل الاجتهادية وليست قطعية ولا نصية.
أريد أن أنبه أولًا أن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد فلا تثريب على من خالف في شيء من هذه الأقوال فلم يزل أئمة السلف يقولون فيما يعرضون من مسائل الاجتهاد: كلامنا صواب يحتمل الخطأ وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
الأمر الآخر: أن توحيد الرؤية قد يكون متعذراٌ في هذا الوقت لأن كل بلد يريد أن تكون رؤيته هي المعتبرة وحينئذ قد يتعذر لأنه لا يمكن أن نحيل الرؤية إلى من يرون الحساب ولا يرون الرؤية.
فيه طائفة يعتمدون على الحساب ما يعتمدون على الرؤية وكل منا قد لا يرضى أن تحال الرؤية إلى الحساب وتعزل الرؤية جملة وتفصيلًا، فلذلك القول برؤية المطالع أو باعتبار الرؤية بالمطالع هو قول قوي لأن هذا معروف لمن عنده معرفة ودراية بمنازل القمر وبولادة الهلال وما يتعلق به من الأمور الفلكية، إذا كان هذا البلد قريبًا من هذا المطلع فإنه يعتبر البلد الآخر الذي يعتبر أو رأى الهلال، ولكن لو أن الناس كانوا متفقين على رؤية واحدة لم يكن في ذلك مخالفة للأدلة الشرعية إذا وجد إلى ذلك سبيل.
في قوله"فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا":
أخذ من هذه الرواية الجمهور إبطال الحساب وأن الحساب باطل جملة وتفصيلًا، ومنهم من شدد في أمر الحساب جعلوه ضربًا من التقول على الله بلا علم ومنهم من غلا فيه فجعله نوعًا من أنواع الشعوذة والكهانة ونحو ذلك.
الصحيح أن الحساب الفلكي ليس من الكهانة في شيء وليس من الشعوذة في شيء هي أمور معروفة بالدراسة والفهم والمعرفة تبنى أيضًا على التجارب وغير ذلك مما هو معروف عند أصحاب الخبرة ولكن الحديث يفيد أن الاعتبار بالرؤية لا بالحساب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن غم عليكم) ، أي حال دون رؤية الهلال غيم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا ففيه تحريم صوم يوم الشك وفيه أن العبرة بالرؤية لا بالحساب.
وقال جماعة من العلماء وهذا الحكم لا يختص بشعبان بل هو عام في كل الشهور إذن يجب التحري في كل الشهور فإذا لم ير الهلال ليلة ثلاثين فإنه يكون اليوم الذي يليه تابع للشهر الذي قبله وكذلك في رمضان، إذن تكتمل العدة في شعبان ونكمل العدة في رمضان حتى يرى هلال شوال وذهب طائفة من العلماء وهو مروي عن مطرف بن عبد الله وهو أحد أئمة التابعين وابن قتيبة وابن سريج من فقهاء الشافعية بأنه لا حرج من اعتبار الحساب إذا كان منضبطًا وهؤلاء يعللون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) ، فحين لم يكن عندهم معرفة للحساب كانوا يعتبرون الرؤية فإذا ضبط الحساب وعرفت مخارجه، وكان القائمون عليه ثقات وموثوقًا بهم فإنه لا حرج من اعتبار الحساب.
وذهب فريق ثالث في المسألة بأن الحساب لا يعتبر إلا إذا اتفق الفلكيون على أن الهلال لا يمكن أن يولد هذه الليلة فأخبر مخبر بأنه قد رأى الهلال فإنه يعتبر كلام أهل الحساب في تكذيب الرائي وما عدا ذلك فلا يعتبر الحساب أي لا يمكن أن نكل الأمر للحساب الأصل في ذلك الرؤية ولكن لو اتفق أهل الحساب على أن هذا المخبر غير مصيب بأن الهلال لا يمكن أن يولد هذه الليلة فكيف يخبر بأنه قد رأى الهلال؟ فنعتبر قولهم قرينة على تكذيب الرائي وفي غير هذا لا نعتبر كلام أهل الحساب في هذه المسائل.
أنبه إلى أن المقصود بهذا الحساب ليس هم الذين يضعون التقاويم الهجرية الموجودة الآن الذين منهم من يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا ومنهم من يجعله ثلاثين يومًا فيضطربون في ذلك اضطرابًا كثيرًا.
علم الحساب الذي يخبر عن ولادة الهلال هو أدق من العلم الذي يخبر عن الشهور لمدة سنة أو سنتين أو ثلاثة أعوام، هذه المراصد الفلكية توجد في حينها وفي وقتها فيخبرون عن الهلال هل ولد أو ما ولد ولا سيما بعد تطور الوسائل والأجهزة المعينة على رصد وضبط