فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرَّين بوجوده، فإذا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته، سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبَّه شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبّهه به في بعض الأمور.
وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مِثْلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودَيْن قائمين بأنفسهما فلابدّ بينها من قدر مشترك؛ كاتفاقهما في مسمى (الوجود) و (القيام بالنفس) و (الذات) ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك.
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد) ، فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة، أو إنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق يقولون: إنه مشبَّه ليس بموحِّد.
وزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبِّه، ليس بموحد.
وزاد عليهم غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن في كل منهما تشبيهًا له.
وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارًا من تشبيههم ـ بزعمهم ـ له بالأحياء.
ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات