اقتنائها عن طريق الشّراء أو النّهب، ثم عن طريق الرحلات الاستكشافية التي جابت الأماكن بلا كلّ ولا ملل، ووصلوا إلى المجاهيل وأعماق الصحراء والقرى البعيدة النائية، وذلك كله من أجل الإحاطة بهذه الأمة والإطلاع على كل شيء فيها ليسهل التعامل معها وأدراك مكامن قوتها حتى وصلوا إلى خبرة"بكل ما في دار الإسلام قديمًا، وما هو كائن فيها حديثا".
وكان من تنبيهاته المهمة أن ما كتبه المستشرقون لا يمكن أن يكون قاعدة لأهل هذا الدين ولا لقوم هذه الأمة لأن كتب"الاستشراق"ومقالاته ودراسته كلها مكتوبة أصلا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زخف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب.
ثم قام الشيخ - رحمه الله- ببيان أنه لا يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة هذه الأمة، ولا أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها. . . يقول: - غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذي يقرع سمعه بالليل والنهار، أن يكون عارفًا معرفة ما بهذه"اللغة"وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح. . .
أما إمكانية إحاطة المستشرق لأمر الثقافة فهذا أمر عسير جدًا، وهو أبعد من قضية أحاطته للغة. . . يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (وإذا كان أمر"اللغة"شديدًا لا يسمح بدخول"المستشرق"تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان"المنهج"و"ما قبل المنهج"، فإن شرط"الثقافة"أشد وأعتى، لان"الثقافة"، كما قلت آنفا:"سرٌّ من الأسرار الملثّمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولًا من طريق العقل والقلب؛ ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به، ثم الإنتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه من التفكك والانهيار". . . وهذه القيود الثلاثة"الإيمان"و"العمل"و"الإنتماء"، هي