فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 35

وقديمًا تناولت لفظ"المنهج"وحاولت البيان عنه فقلت؛"ولفظ المنهج"يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصحلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشان، بل أريد به"ما قبل المنهج"أي الأساس الذي لا يقوم"المنهج"إلا عليه. فهذا الذي يسمّى"منهجا"ينفسم إلى شطرين؛ شطر في تناول المادة وشطر في معالجة التطبيق.

"فشطر المادة يتطلّب قبل كل شيء جمعها من مظانها على وجه الإستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذق وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليا واضحا، وما هو صحيح مستبينا ظاهرا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرع".

"وأما شطر التطبيق، فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جيدِّها، باستيعاب أيضًا لكلِّ احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع. ثم على الدارس أن يتحرى لكلّ حقيقة من الحقائق موضعا هو حقّ موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة".

وأزيدك الآن أن"شطر التطبيق"هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول وتتناصى الحجج - أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين - والذي تسمع فيه صليل الألسنة - جهرة أو خفية - وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختلف فيه الأنظار اختلافا ساطعا تارة أخرى، وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي. هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النّازليّة من العلماء والأدباء والمفكرين. وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمى"المناهج والمذاهب").

وبيَّن أصالة المنهج وأنه ليس بالأمر المبتدع قائلًا: (تبين لي يومئذ تبيّنا واضحًا أن شطري المنهج:"المادة والتطبيق"كما وصفتهما لك في أول هذه الفقرة، مكتملتان اكتمالا مذهلا يحير العقل، منذ أوليّة هذه الأمة العربية المسلمة خاحبة اللسان العربي، ثم يزدادان اتساعا واكتمالًا وتنوعًا على مر السنين وتعاقب العلماء والكتاب في كل علم وفنّ، وأقول لك غير متردد أن الذي كان عندهم من ذلك، لم يكن قط عند أمة سابقة من الأمم، حتى اليونان، وأكاد أقول لك غير متردد أيضا أنهم بلغوا في ذلك مبلغا لم تدرك ذروته الثقافة الأوروبية الحاضرة اليوم، وهي في قمة مجدها وازدهارها وسطوتها على العلم والمعرفة.

كنت أستشفّ"شطري المنهج"، كما وصفتهما، تلوح بوادره الأُوَل منذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت