فتولد عند المسلمين ما يريده الكافر ليصبح الدين مذمة، فلا يجوز قتل المدنيين ولا استهداف الأبرياء، وأصبح يستحي المسلم من طرح دينه، فلا يجرؤ على قول ما يتعارض مع الفكر الكافر، فلا حديث عن رزق المجاهد بظل رمحه ولا زواجه بسبايا معاركه، ولا إنفاقه بفداء الأسرى.
أقنعوا الأمة أنها ضعيفة وأن العدو قوي، وكأنها خُلقت خِلقة الأرنب، وخُلق عدوها خِلقة الأسد، فأصبحت متسولة أفكار ومرتزقة مفاهيم.
لا يمكن لدين الله أن يعجز عن طرح رأيه في الحروب وهو الذي تم واكتمل قبل انتقال نبيه للرفيق الأعلى، ومن المستحيل أن يُفصِّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحكام قضاء الحاجة، ثم يتركنا في جعجعة المعارك ما نعرف دليلًا ولا نهتدي سبيلًا.
كان المسلمون ومن واجبهم أن يظلوا رواد الأمم ومعلمي البشرية أساليب الحرب والسلم، وما يُغنينا عن ديننا المدارس الكفرية برؤاها الفاسدة، وعندنا كتاب ربنا وهدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، أم هو داء"أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ"؟
في ديننا ما يُغني عن دين غيرنا، وفي سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما يعيننا على إعادة صياغة الحروب حسب النظرية الإسلامية.
ولذا إخراجًا للشباب المجاهد من بوتقة الكفار ومدارسهم العسكرية، وإرجاعًا لهم للمورد العذب الصافي، نبع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هذا الكتاب.
"إرشاد السؤول إلى حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم -":
"سؤول"على وزن فعول من صيغ المبالغة، مأخوذة من"المادة"كالسحور والوقود والوضوء والبخور وغيره، يشترك فيها المذكر والمؤنث فيقال: رجل صبور شكور وامرأة صبور شكور، وصيغة"فعول"في المبالغة أعظم من"فِعال"لذلك كانت أرجى آية في كتاب ربنا:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [الزمر 53] .
روى الحاكم عن الزهري أن المهاجرين قالوا لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس - رضي الله عنهم -؟
قال: ذاكم فتى كهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.
قال شيخ الإسلام القيم ابن القيم في روضة المحبين ونزهة المشتاقين: والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه ... فما عسى أن يبلغ خاطرُه المكدود، وسعيه المجهود، مع بضاعته المزجاة، التي حقيق بحاملها أن يقال فيه"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، وهاهو قد نصب نفسه هدفًا لسهام الراشقين وغرضًا لأسنة الطاعنين، فلقارئه غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وهذه بضاعته تعرض عليك، وموليته تهدى إليك، فإن صادفت كفؤًا كريمًًا لها لن تعدم منه إمساكًا بمعروفٍ أو تسريحًا بإحسانٍ وإن صادفت غيره فالله تعالى المستعان وعليه التكلان.
وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا واستحسانًا وبردًا جميلًا إن كان حظها احتقارًا واستهجانًا.
والمُنصف يهب خطأ المخطاء لإصابته، وسيئاته لحسناته فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ونطقه وحي يوحى - صلى الله عليه وسلم -، فما صح عنه فهو نقل مصدق عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا.