الصفحة 13 من 216

فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومعه جيش من المسلمين، وأمره أن يتثبت ولا يعجل فانطلق خالد حتى أتاهم ليلًا فبعث عيونه وجاءت الأخبار بتمسكهم بالإسلام وإقام الصلاة ورجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبر، ونزلت الآية.

والمقصود أنَّ"حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاستباقية"ما كانت تنبع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابتداءً، بل كانت نتيجة لفعل يقوم به الخصم كتجميع الجموع أو تجييش الجيوش أو تهيئة النفوس للغزو، أو التخطيط الفعلي لإغارة أو اغتيال وما شابه من الأفعال التي تستحق التحرك لها في الاتجاه المضاد.

قال ابن القيم في فقه غزوة حنين:"إن الإمام إذا سمع بقصد عدوِّه له، وفى جيشه قوة ومَنَعَة لا يقعُد ينتظرهم، بل يسيرُ إليهم، كما سار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هَوازِن حتى لقيهم بحُنَيْن".

وبتتبع أسباب"الحرب الاستباقية"في حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - نجد جماع الأمر يرجع إلي سببين:

أولهما: جمع الجموع للحرب كالذي فعله خالد بن سفيان الهذلي وأبو رافع بن أبي حقيق اليهودي.

والثاني: تأليب الناس على الحرب كالذي فعله أبو سفيان وكعب بن الأشرف اليهودي.

ومما يدل على عدم قصد الابتداء بالحرب قبل ثبوت الأمر، ما ذكره ابن القيم في"زاد المعاد"في سرية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ثلاثين رجلًا إلى هوازن ... ولما جاءهم الخبر هربوا فلم يلق منهم أحد، فانصرف راجعًا إلي المدينة فقال له الدليل: هل لك في جمع من"خثعم"جاءوا سائرين وقد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر لم يأمرني بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعرض لهم"."

إذن الإغارة لم تكن مقصودة لذاتها بل لما استوجبته من إرادة العدو حرب دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما من لم يكن قصده، وفي نيته حرب الدولة الإسلامية فلا يُستهدف بحرب أو إغارة.

وقد اختلفت طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معالجة هذا الخطر القادم حسب اختلاف قدرة العدو وحجمه فكان عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - طريقتين للحل:

أولهما: عمليات الاغتيال الفردية أو ضمن مجموعة تقضي على الخصم فحسب.

والثانية: سرية لغزو الخصم ومن معه في عقر دارهم، ويكون مباغتة وإغارة ولا حاجة لإعلان الحرب فقد كفاه إياه العدو بالمبادأة.

أولًا: عمليات الاغتيال كحرب استباقية:

ذكر ابن سعد في الطبقات وابن القيم في الزاد: سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلي ... ذلك أنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن سفيان قد جمع الجموع لحرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أنيس ليقتله ... فقال - أي خالد-: من الرجل؟، قال عبد الله: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل إني لأجمع له فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ... حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فلما رآني قال: أفلح الوجه قلت أفلح وجهك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري.

وعند ابن هشام: كان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه، منهم عبد الله بن أنيس، فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود، فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر، على ستة أميال، ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففطن به عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف ... ومال كل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صاحبه من يهود فقتله.

وذكر ابن سعد في الطبقات: أن أبا رافع بن أبي حقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الجعل العظيم لحرب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعى ومسعود بن سنان وأمرهم بقتله.

وقد أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمروًا بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم لاغتيال أبي سفيان بمكة، وعلى قول الشافعي في الأم أنه بسبب قتل"عاصم بن ثابت وخبيب وزيد بن الدثنة"، فيما قال ابن سعد في الطبقات: وكان سبب ذلك أن أبا سفيان قال لنفر من قريش: ألا رجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت