وكذلك لا بد من الإشارة إلى خبر طريف رواه ابن سعد في الطبقات وإن كان في إسناده الواقدي: فعن مسلم الخياط قال: جاء رجل إلى ابن المسيب فقال إني أرى - أي في المنام - تيسًا أقبل يشتد من الثنية فقال سعيد، اذبح اذبح قال: ذبحت قال: مات ابن أم صلاء فما برح حتى جاءه الخبر أنه قد مات. قال محمد بن عمر: وكان ابن أم صلاء من موالي أهل المدينة يسعى بالناس [46] .
ونقول اللهم اذبح السعاة بالشر على أهل الدعوة والعلم، فقد آذوا عباد الله مع زعمهم الانتساب إلى العلم والدعوة السلفية. ومع كل هذه الصلابة من سعيد ضد الحكام لأنه كان في أمره بالمعروف مع عامة الناس يأمر بالستر ويحث عليه إذا كان فاعل المعصية متخفيًا بها فيروي عبد الرحمن بن حرملة فيقول:"خرجت إلى الصبح فوجدت سكرانًا فلم أزل أجره حتى أدخلته منزلي قال: فلقيت سعيد بن المسيب فقلت له: لو أن رجلًا وجد سكران أيدفعه إلى السلطان فيقيم عليه الحد؟ قال: فقال لي: إن استطعت أن تستره بثوبك فافعل. قال فرجعت إلى البيت فإذا الرجل قد أفاق فلما رآني عرفت فيه الحياء فقلت: أما تستحي؟ لو أخذت البارحة لحددت فكنت في الناس مثل الميت لا تجوز لك شهادة فقال: والله لا أعود أبدًا، قال ابن حرملة: فرأيته قد حسنت حاله بعد" [47] .
ولا ينبغي عند الحديث عن سعيد بن المسيب ترك الإشارة إلى تزويجه لابنته بأحد تلاميذه الفقراء فهي مشهورة وفيها درس اجتماعي عظيم، ولها أيضًا علاقة بما سبق ذكره من إساءة حكام الأمويين إليه فبعض العلماء وهو أبو بكر بن أبي داود يرى أن ما حصل له كان بسبب رفضه تزويج ابنته من الوليد بن عبد الملك ولي العهد، ثم تزويجها لتلميذه الفقير ابن أبي وداعة المخزومي، ولا يستبعد ما ذكره ابن أبي داود فإن رفض سعيد تزويج ولي العهد يعتبر رفضًا سياسيًا لا سيما وقد اجتمع مع رفضه بيعة ولي العهد مع وجود أبيه [48] .
وكذلك تجدر الإشارة إلى موقفه إلى الصراع السياسي بين بني أمية وآل الزبير وهذا ما ذكره ابن سعد في الطبقات عن الحكم بن أبي إسحاق قال:"كنت جالسًا إلى سعيد بن المسيب فقال لمولى له: اتق الله لا تكذب علي كما كذب مولى ابن عباس على ابن عباس فقلت لمولاه: ذاك أني لا أدري ابن الزبير أحب إلى أبي محمد أو أهل الشام؟ قال فسمعها سعيد فقال: يا عراقي أيهما أحب إليك؟ قلت: ابن الزبير أحب إلي من أهل الشام قال: أفلا أخبث بك - أي أمسك بك - الآن فأقول هذا زبيري؟ فقلت: سألتني فأخبرتك فأخبرني أيهما أحب إليك قال: كلا لا أجيب" [49] وتوقفه مفهوم فقد سبق معنا رفضه البيعة لابن الزبير حتى يجتمع الناس وضرب الوالي له على ذلك، وليس ذلك حبًا في الأمويين ولكنه يرى الأمر فتنة فلا ينبغي له الدخول في ذلك وقد محا اسمه من الديوان في الفتنة [50] .
ونختم الحديث عن سعيد برواية تدل على موقفه مما شجر بين الصحابة رضوان الله عليهم، واعتقاده الصحيح في طلحة والزبير وعلي والترضي عنهم جميعا قال علي بن زيد بن جدعان: قال لي سعيد بن المسيب قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده قال فانطلق فنظر فإذا رجل أسود الوجه فجاء فقال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض فقال: إن هذا سب هؤلاء الرهط طلحة والزبير وعليًا فنهيته