لقد كان من صدق استسلام هذه القلوب لله, أن كان تأثرها بكلام الله أشد, فهي تتلقي كل كلمة من كلام الله علي أنها موجهة إليها شخصيًا, لا أنها موجهة لآخر وهي تتفرج من بعيد, كما يحدث للقلوب الغافية التي تتلقي الكلام وهي وسنانة, فيكون في حسها كرجع الصدي, مبهما غير واضح النبرات!.
عاشوا والآخرة في حسهم كأنها حاضر. يعايشون مشاهدها تجاه أعينهم, فتشهدهم الجنة بنعيمها الشفيف الخالد فيشتاقون إليها, فيغذون السير إليها متخففين مما يثقلهم في الطريق من متاع الحياة الدنيا, متزودين بالزاد الذي يصلح الطريق {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [سورة البقرة 2/ 197] ورهبهم النار بعذابها المروع فيحذرون أن يقعوا فيها, فيحاولون الابتعاد إلي أقصي المدي لينجوا من اللهيب:"كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام".
وكذلك كان وقع اليوم الآخر في حسهم ... لم يكن مجرد تأثر وجداني مؤقت, تمر به رياح الشهوات فتعصف به وتذروه, إنما هو شئ ثابت تجاه أعينهم, في كل لحظة يرونه, وفي كل لحظة يتأثرون برؤيته, فيعملون ما يقربهم من الجنة, ويتحاشون مايقربهم من النار. لذلك كان دعائهم - وهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلي جنوبهم - علي هذا النحو الذي تصفه الآيات:
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) } [سورة آل 3/ 191 - 194]
في كل لحظة يهم أحدهم بعمل يسأل نفسه: هل هذا العمل مما يرضي الله عنه فيدخله به الجنة؟ ام مما يسخط الله فيدخله به النار؟.
وفي كل لحظة يسأل نفسه: ما الذي يريده الله مني في موقفي هذا في لحظتي هذه؟ فإذا عرف الجواب أسرع إلي القيام بما يطلبه الله منه, شوقًا إلي الجنة وفرارًا من النار. وكان هذا هو الذكر الذي يذكرون به الله قيامًًا وقعودًا وعلي جنوبهم ... الذكر الحافز إلي المسارعة في الخيرات, لا ذكر الأوراد والأذكار والمسابح, الذي يبدأ هناك وينتهي هناك!.
وكان القرآن يحدثهم عن قصة الشيطان مع آدم, ويحذرهم من الوقوع في فتنته: