كما تكفل بحفظ سنة نبيه - , بينما لم يبق من سنن الأنبياء السابقين إلا ما حفظه القرآن وحفظته سنة رسول الله -.
وفي هذين المصدرين كل"المواد"اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة في أي عصر من عصور التاريخ يرغب المسلمون في البناء, ويعزمون علي بذل الجهد اللازم له.
أما الذي صنعته الظروف الخاصة فهو تلك الدرجة الفذة في تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي, المستمدة كلها من الكتاب والسنة .... وتلك الدرجة -لا الخصائص الرئيسية- هي التي لم تتكرر في التاريخ.
وتبقي الإجابة علي الشق الآخر من السؤال: إذا كانت تلك الدرجة التي تحققت بالفعل ذات يوم غير قابلة للتحقيق مرة أخري, لأنها نشأت من ظروف خاصة غير قابلة للتكرار, فما قيمتها في حياة الإسلام والمسلمين. أهي وجدت فقط لتظل حلما مهوّمًا يعرّّج عليه من أجل حلاوة الذكري ليس غير؟!.
كلا! إنها وجدت -بقدر من الله- لتظل نموذجًا يشد المسلمين إليه ليحاولوا تحقيقه في عالم الواقع .... وحين يحاولون فإنهم يرتفعون بالفعل, حتي وإن لم يصلوا -في مجموعهم- إلي ذات الدرجة التي وصل إليها هؤلاء؛ وإن كان التاريخ المشهود يقول إن أفرادًا من كل جيل يصلون بالفعل إلي ذلك المستوي السامق الرفيع, أولئك الذين نتوهج قلوبهم بنور الإسلام فيستطيعون أن يقبسوا من شخصية الرسول وأحداث حيات مثل ما كان يقتبس الصحابة رضوان الله عليهم بالمعايشة المباشرة, وان يحسوا --في أعماق نفوسهم- بالنشأة الجديدة علي نحو ما أحس الذين عاشوها أول مرة ... فينهلوا من الكتاب والسنة بمثل العمق الذي كان ينهل به الصحابة الكرام, ويحققوا في ذوات أنفسهم ما كانوا يحققون.
هؤلاء قلة في كل جيل -نعم- بينما كانوا كثرة ملحوظة في المحيطين برسول الله - ... ولكن مجموع المسلمين -حين يحاولون- يرتفعون درجات من الارتفاع, حتي ولو لم يصلوا لذلك المستوي الرفيع, لأن المحاولة ذاتها توجه الناس إلي أعلي, بينما القعود يهبط بهم إلي أسفل, بحكم الثقلة التي تجذب الناس أبدًا إلي أسفل ما لم يحاولوا الارتفاع:
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر 103/ 1 - 3] .
من هنا يظل لذلك الجيل المتفرد دوره في حياة الإسلام والمسلمين.