وأمامي كتاب"الغارة على العالم الإٍسلامي La Conquete du Monde Musulman" (1) يشتمل على حقائق مذهلة .. يذهل الإِنسان إذ يراها تنشر بهذه الصراحة ، ويذهل إذ يرى الخطوط التي وضعها التبشير والاستعمار معًا ما زالت عاملة في العالم الإِسلامي ، والسموم التي وضعاها معًا ما زالت سارية في نفوس المسلمين !
إنها مأساة شنيعة .. أن يكون هذا الكيد كله قد دبر للمسلمين وهم في غفلة من أمرهم ، أو وهم يضحكون في بلاهة ، أو وهم يخبطون كفًا على كف في تواكل بليد !
ثم مأساة شنيعة .. أن نرى آثار هذا الكيد كله عاملة في جسم العالم الإِسلامي اليوم ، في أفكاره وسلوكه ، وأخلاقه وتقاليده ... فيفرح بعضنا"بالتقدم"الذي أحرزناه ، ويغتمّ بعضنا للفساد الذي فسدناه .. ويظن هؤلاء وهؤلاء أنه"التطور""الحتمي"قد أخذ طريقه إلى العالم الإِسلامي ، وأنه لا يمكن وقفه ، ولم يكن وقفه مستطاعا في أي وقت من الأوقات ..
ويغفلان معًا - هؤلاء وهؤلاء - عما صنعه الاستعمار والتبشير في عقول الناس ونفوسهم في قرنين من الزمان !
حقًا إن"التطور"العالمي قوة ضخمة ، سواء اعتبرناه انحدارًا أو رفعة ؛ وكان لا بد أن تصيب دفعته العالم الإِسلامي رضي أم أبى ، وسنتكلم بالتفصيل عن آثاره في الفصل القادم"تيارات عالمية"؛ ولكنا نقول هنا إن الاستعمار الصليبي قد عمل ولا شك كثيرًا"لإِخضاع"العالم الإِسلامي للموجة الكاسرة ، دون أن تتاح له القدرة على مقاومتها ، أو الوقوف منها موقفًا آخر غير موقف الخنوع والاستسلام .
(1) ربما كان الأنسب ترجمة العنوان هكذا:"غزو العالم الإسلامي"ولكن هكذا ترجمه السيدان مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب - القاهرة سنة 1350 هـ ( هذا العام 1381 هـ ) .