فإذا اطلعت الانسانية على نظام يحمل مثل هذه الفكرة، ويتضمن مثل هذه العقيدة، وفي ذات الوقت يتضمن لها عدالة اجتماعية دائمة متجددة، لا تقف عند تسويد طبقة على طبقة ولا عند حدود الاكتفاء المادي، إنما تدع الحياة متجددة أبدًا مترقية أبدًا، متصلة بعد كل هذا كله بالسماء. . . إذا اطلعت الإنسانية على نظام كهذا فذلك حلمها الدائم الذي لا يدركه الفساد.
وهذا ما يجعلنا نخالف الفيلسوف الغربي فيما هداه اليه ضميره الغربي، وما يجعلنا نعتقد بقوة أن المستقبل في أرض الإسلام للإسلام، وأن المستقبل في الأرض كلها كذلك للإسلام.
إن الشيوعية تكتسح أوربا اليوم وسوف تكتسح أمريكا غدًا. لا لأن مواردها المادية أكبر، ولا لأن مقدرتها الانتاجية أعظم، ولا لأن تقدمها العلمي أكبر. . . لا لواحد من هذه الأسباب المادية جميعًا؛ ولكن لأنها تملك أن تعطي الغربيين فكرة عن الحياة، أو هدفًا للحياة، لم تعد الحضارة الغربية تملك أن تعطيهم نظيره. فهي فكرة"تقدمية"بالقياس إلى الحضارة الغربية المادية. أي أنها تسمح بامتداد الحياة في ظلها حينًا من الزمن، على حين تعجز فلسفة الحياة الغربية عن الامتداد وتعجز الحياة في ظلها عن التقدم.
ولكن الشيوعية كما قدمنا فكرة ينتهي تحقيقها في أمد قصير، وتصبح على الأخرى عاجزة عن الامتداد، وتصبح الحياة في ظلها عاجزة عن التطور، حتى في هذه الرقعة من الأرض، التي تدين بالأفكار المادية عن الحياة، فكيف بها في الرقعة الأخرى التي نشأت في ظل حضارة ذات روح، والتي تملك فكرة عن الحياة أكبر وأشمل من فكرة الشيوعية، وأكثر قابلية للامتداد والتطور، لما فيها من مرونة وسعة لا تتوافران للفكرة الشيوعية، بحكم ماديتها، وحكم تحديد أهدافها، وقصور هذه الأهداف من أن تشمل كل مطالب الانسانية في مستقبلها؟.
إن الشيوعية اليوم تؤدي دورًا هامًا في عالم الحضارة الغربية المادية يتلخص ذلك الدور في ابتلاع حطام الفكرة المادية التي عاشت أوربا في ظلها منذ الدولة الرومانية القديمة، حتى استحالت أخيرًا إلى هذا العقم! ابتلاع هذا الحطام والوصول به إلى نهايته الحتمية الطبيعية، والشيوعية هي الخطوة الأخيرة والنهائية في خط سير الحضارة المادية وهي تعترف بأنها الحلقة الأخيرة من حلقات"المادية الجولية"وخلاصتها أن كل نظام يحمل في طياته من المتناقضات ما يقضي عليه، وينشىء نظامًا جديدًا قائمًا على انتصار إحدى هذه المتناقضات - وهذا النظام الجديد يحتوي بدوره متناقضات أخرى تقضي عليه وهكذا. . . إلى أن ينتهي الأمر إلى الشيوعية، فتكون هي خاتمة المطاف!
ولقد كنا حريين بأن نصدق هذا ونؤمن به، لولا أننا نؤمن بأن الحياة متجددة أبدًا، متطورة أبدًا، وانها لن تقف عند الخطوة التي يريد الشيوعيون لها أن تقف عندها! فلا بد من فكرة أخرى تسمح للبشرية بالامتداد في ظلها لأن هذه البشرية لا تستغني أبدًا عن فكرة تؤمن بها، وتجاهد لتحقيقها.
لقد كانت الوقعة المادية العنيفة التي انتهت بالشيوعية في الحضارة الغربية وليدة رد الفعل العنيف لتزمت المسيحية كما صورتها الكنيسة في القرون الوسطى، وكان إلحاد العلم بالدين رد فعل كذلك لسلوك الكنيسة مع العلماء، وليس قانونًا من قوانين الحياة!