وهكذا وجد الإسلام .. هكذا وجد متمثلًا في قاعدة نظرية مجملة - ولكنها شاملة - يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي ، مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع .. ولم يوجد قط في صورة"نظرية"مجردة عن هذا الوجود الفعلي .. وهكذا يمكن أن يٍوجد الإسلام مرة أخرى ، ولا سبيل لإعادة إنشائه في المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية .
وبعد: فإن الإسلام - وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة وفق هذا المنهج ، ويقيم وجودها على أساس التجمع العضوي الحركي ، ويجعل آصرة هذا التجمع هي العقيدة - إنما كان يستهدف إبراز"إنسانية الإنسان"وتقويتها وتمكينها ، وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى في الكائن الإنساني ، وكان يمضي في هذا على منهجه المطرد في كل قواعده وتعليماته وشرائعه وأحكامه ..
إن الكائن الإنساني يشترك مع الكائنات الحيوانية - بل الكائنات المادية - في صفات توهم أصحاب"الجهالة العلمية !"مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ، ومرة بأنه مادة كسائر المواد ! ولكن الإنسان مع اشتراكه في هذه"الصفات"مع الحيوان ومع المادة له"خصائص"تميزه وتفرده ، وتجعل منه كائنًا فريدًا ، كما اضطر أصحاب"الجهالة العلمية !"أخيرًا أن يعترفوا والحقائق الواقعية تلوي أعناقهم ليًّا ، فيضطرون لهذا الاعتراف في غير إخلاص ولا صراحة ! [1]
ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ، ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة الحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز"خصائص الإنسان"في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعًا مفتوحًا لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة ! وإن صبَّت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ، وانصهرت في هذه البوتقة
(1) - في مقدمة هؤلاء جوليان هاكسلي من أصحاب"الدارونية الحديثة".