وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل: يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك له شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الدين المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل: قصده الحمية لنفسه وطائفته، أو: الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو: فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو: لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟
وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وكفَّر بعضهم بعضًا، وفسق بعضهم بعضًا، ولهذا قال الله تعالى فيهم: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) [1] .
وقال تلميذه الحافظ المؤرخ الذهبي في ترجمة أبي جعفر الباقر: (ولقد كان أبو جعفر إمامًا مجتهدًا، تاليًا لكتاب الله، كبير الشأن، لكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد وربيعة، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة وابن شهاب، فلا نحابيه، ولا نحيف عليه، ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال) [2] . وهناك قواعد أخرى عامة لمن يبلغه جرح في غيره:
القاعدة الأولى: (النظر في حال الجارح) .
القاعدة الثانية: (التثبت من الأخبار) .
القاعدة الثالثة: (رد الغيبة على المغتاب، ويبين له أن ذكر الناس داء وذكر الله دواء) .
القاعدة الرابعة: (كلام الأقران بعضهم في بعض لا يقبل إن كان بدون دليل مقبول، بل: يطوى ولا يروى) [3] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يجوز تكفير كل من خالف السنة، فليس كل مخطئٍ كافرًا، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة) [4] .
(1) -سورة البينة، رقم ا؟ لآية: (5) . انظر: (منهاج السنة النبوية) (5/ 254/256) ، و (ومنهج أهل السنة والجماعة في النقد ... ) (ص:39/ 42) للأستاذ: هشام بن إسماعيل، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 102) .
(2) -انظر: (السير) (4/ 402) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 112) .
(3) -انظر: (منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين) (ص:55/ 64) .
(4) -انظر: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية (16/ 434) .