1 -أن يعرف أسباب الفضل أولًا.
2 -ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينهما ثانيًا.
3 -ثم نسبتها إلى من قامت به-ثالثًا-كثرة وقوة.
4 -ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا.
فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالًا لغيره، بل: كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا.
فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل.
وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض. وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصَّره الله: وهي أن كثيرًا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه [1] وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى غيرها.
ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو: شيخه [2] ، وكذلك الأنساب والقبائل والمدن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى:
وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته
(1) -التقريظ: مدح الإنسان وهو حي بحق أو: باطل. (القاموس) (ص:628 - طبعة كاملة في مجلد واحد) .
(2) -وإليكم بعض الصور من الغلو في الشيوخ: قال الشيخ سليمان بن يوسف بن مفلح-أحد أعلام الشافعية-عن نفسه: (كنت إذا سمعت شخصًا يقول:"أخطأ النووي"، اعتقدت أنه كفر) (الدرر الكامنة) (2/ 261) . قال محمد بن الحسين السُّلمي: (من قال لشيخ: لِمَ؟ لم يفلح) (الفرق بين النصيحة والتعيير) (ص:101) ، ومن الغلو قولهم: (نظرة عندنا من أحمد بن حنبل، تعدل عبادة سنة) ، وقال بعضهم: (عندنا بخراسان يظنون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة) . الخ.