للشيخ
محمد قطب
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
في محاضرة ألقاها المؤرخ الشهير"أرنولد توينبي"سنة 1948 بعنوان"الإسلام والغرب والمستقبل"قال:
"وهنا، وعلى عتبة المستقبل، نلحظ إذن تأثيرين قيمين يستطيع الإسلام أن يمارسهما على البروليتاريا العالمية للمجتمع الغربي الذي ألقى شباكه حول العالم، وضم البشرية جمعاء".
وقد كان يشير بذلك إلى مشكلتين اثنتين قال إن الإسلام قادر على حلهما، هما مشكلة التفرقة العنصرية ومشكلة الخمر.
ثم أردف يقول:"أما في المستقبل البعيد فيمكن التكهن باحتمال قيام الإسلام بالإسهام في أوجه جديدة للدين، وهذه الاحتمالات المتعددة تتوقف على الوجهة السعيدة التي سيتمخض عنها وضع الإنسانية الحاضر."
"هناك من يفترض مقدما أن الخليط المتنافر الذي نتج عن غزو الغرب للعالم سيطور تدريجيا وسلميا إلى تركيب متجانس. وسيشكل هذا التركيب بدوره، تدريجيا وسلميا أيضًا، نوعا من الإبداع الجديد."
"وهذا الافتراض المسبق، على كل حال، يقوم على نظرية لا يمكن التحقق منها، قد تبررها الأحداث في المستقبل، وقد لا تبررها أبدا. وقد ينتهي الخليط إلى تركيب متجانس وقد ينتهي أيضا بانفجار مدمر."
"وفي حالة وقوع مثل هذه الكارثة سيكون للإسلام دور مختلف تماما، وهو دور العنصر الفاعل في ردة فعل عنيفة تقوم بها البروليتاريا العالمية للشعوب المسحوقة ضد أسيادها الغربيين".
وهكذا حصر توينبي مستقبل الإسلام في ثلاثة نقاط، اثنتان منها أكثر احتمالا وهما القضاء على مشكلة العنصرية والقضاء على مشكلة الخمر، والثالثة غير مؤكدة في نظره، وهي الإسهام في أوجه جديدة للدين، والبديل منها هو قيادة ردة الفعل العنيفة التي يخشى توينبي حدوثها من"البروليتاريا العالمية للشعوب المسحوقة ضد أسيادها الغربيين".
ولقد كان حريًا بالمؤرخ الشهير، الذي يتعرض لكتابة تاريخ شامل للبشرية، أن يكون أكثر موضوعية وعمقا وهو يتناول موضوعا له أهمية خاصة كموضوع"الإسلام والغرب والمستقبل".
إن حصر الإسلام في هذه النقاط الثلاث، ما كان منها راجحا في نظره وما كان غير مؤكد الوقوع، أمر لا تؤدي إليه النظرة الموضوعية الخالصة، فضلا عن النظرة المتعمقة التي ينبغي أن يتحلى بها من يتعرض لكتابة تاريخ البشرية.
فلماذا هذه النقاط بالذات؟
وأي شيء في نصوص الإسلام أو روحه أو تاريخه يجعله محصورا في هذه النقاط وحدها، ويجعل احتمالات نجاحه مقصورة عليها؟
وإذا كان توينبي يرى أن الإسلام قادر على حل المشكلة العنصرية ومشكلة الخمر، مع أنهما من أعتى المشاكل التي يواجهها العالم المعاصر وأعصاها على الحل، فلماذا لا يستطيع الإسلام -مثلا- أن يدلي بدلوه في حل مشكلة الفوضى الجنسية التي تجتاح العالم اليوم، أو مشكلة تفكك الأسرة، أو مشكلة الجنوح بين الأحداث ( Delinquency) أو مشكلة شعور الشباب بالقلق والضياع .. أو غير ذلك من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأجيال المعاصرة؟
على أن شأن الإسلام في الحقيقة ليس محصورا في تقديم حلول لتلك المشكلات التي ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر. فهذه -أو غيرها- ليسا إلا أعراضا للمشكلات الجذرية. ومهمة الإسلام الحقيقية هي التعرض لتلك المشكلات الجذرية وتقديم الحلول لها، لكي لا تؤدي إلى تلك المضاعفات التي أرهقت البشرية اليوم. سواء في الغرب أو في العالم الذي غلب الغرب عليه.
إن القضية الجذرية في حياة البشرية كانت -وما تزال- وستظل إلى قيام الساعة هي قضية العبادة أو قضية المعبود.
من المعبود على وجه اليقين؟ وعلى أي صورة يعبد؟