والإنسان الراشد ليس هو أى إنسان، وإنما هو شئ متميز لم تعرفه الأرض إلا على خط الإيمان الذى بثه الأنبياء والرسل من لدن آدم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه- بشهادة الله سبحانه وتعالى- لم يبلغ سمته الأعلى كما بلغه في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - التى شهد لها خالقها بكونها (( خير أمة أخرجت للناس ) ) [1] 0
أما مواصفات ذلك الإنسان الراشد فهي مبثوتة في كتاب الله، تكون في مجموعها منهجا شاملا متكاملا لم يعرفه- في شموله وتكامله- أى منهج من المناهج التى تعج بها الأرض، والتى تهدف- كما تنص صراحة- إلى إنشاء (( المواطن الصالح ) )، و (( الإنسان الصالح ) )00 فالروسى الذى يقتل الشيشانيين مواطن صالح في عرف قومه! واليهودى الذى يقتل المسلمين ويغتصب أرضهم وديارهم وكرامتهم مواطن صالح في عرف قومه! والهندى الذى يقتل أهالى كشمير ويحرم عليهم أن يقرروا مصيرهم لأنفسهم مواطن صالح في عرف قومه! وما أبأسهم جميعا وما أبعدهم عن صفة الإنسانية فضلا عن صفة الإنسان الصالح!
وإذا عدنا إلى الإعجاز التربوى في القرآن الكريم، ذلك الذى أخرج خير أمة أخرجت للناس، فنحن أمام بحر زاخر، من حيث وردته فهو زاخر، ومن حيث نظرت إليه بهرك ما يشتمل عليه من أعماق0
إن الركيزة الكبرى في هذا المنهج الربانى- كما أشرنا من قبل- هى الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر00 وعلى قدر رسوخهما في النفس يكون مدى تحقق الخيرية، وتحقق الصلاح في الإنسان00
فإذا أدركنا ذلك، فإن الإعجاز التربوى في القرآن لا ينحصر مجرد بث هذه العقيدة في النفوس، وإنما في تعميقها وترسيخها وتثبيتها، حتى تخالط بشاشتها القلوب فتصبح جزءا منها لا ينفصل عنها0
وهنا لابد أن يحضرنا الإعجاز البيانى، والإعجاز الدعوى اللذان تحدثنا عنهما من قبل00 كل منهما هو في ذاته إعجاز قائم بذاته، ولكنه في الوقت ذاته أداة لإعجاز آخر!
كان الإعجاز البيانى- كما بينا- أداة عظمى في مسيرة الدعوة، جعلت العقيدة تنفذ إلى النفس من كل منافذها، وتصل إلى أعماقها، بالبيان الأخاذ، وبتنوع العرض، وباستخدام أساليب مختلفة تشمل البيان المباشر، والقصة، والمثل، وغيرها من أساليب البيان00
ثم كان الإعجاز البيانى والإعجاز الدعوى معًا أداة للإعجاز التربوى، الذى يرتكز أساسًا تعميق الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر في نفس الإنسان، وصولا إلى الإنسان الراشد الذى قال الله في وصفه: -
(( 00 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) ) [2] 0
(( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون ) ) [3] 0
ولنحاول هنا أن نغترف غرفة من البحر الزاخر 00
(1) سورة آل عمران: 110 0
(2) سورة الحجرات: 7
(3) سورة فصلت: 30