الصفحة 12 من 104

(( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم(127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وارنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ))0

لاحظ نغمة المد في هذه الكلمات بما يناسب جو الدعاء (منا إنك) (( ومن ذريتنا أمة ) ) (( وتب علينا إنك 00) 0

ثم لاحظ تغير النغمة بما يوحى بانتهاء الدعاء: (( ويزكيهم إنك 00 ) )0

إن حركات المد في العبارات الأولى تشعرك بالاستغراق في الدعاء، والرغبة في التعبير عن مشاعر عميقة تملأ قلبيهما وهما يتوجهان هذا التوجه الخاشع بين يدى الله وهما يقيمان قواعد البيت، بينما الياء في كلمة (ويزكيهم) توحى بأن الدعاء قد وصل إلى غايته، وأنه يوشك أن ينتهى، بعد أن بثا مشاعرهما لله العلى العظيم. وحين تصور الكلمات - وهى مجرد كلمات - مشهدًا كاملًا جياشا على هذا النحو، وتعطى صورة الأكف المرفوعة بالضراعة، ثم حركة الأكف وقد أوشكت أن تفرغ من الدعاء هابطة إلى أسفل .. يكون هذا من الإعجاز0

فى سورة آل عمران ترد هذه الآيات:

(( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب [1] هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) ) [2] 0

المشهد هو مريم منقطعة للعبادة في المحراب، وزكريا لا يفتأ يدخل عليها يتفقد أحوالها، فهو كفيلها المسئول عن تربيتها ورعايتها، فيجد عندها رزقا متجددا فيسألها: من أين لها هذا وهى لا تبارح المكان ولا تسعى على الرزق، فتجيبه في براءة وبساطة: (( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) ). فتجيش نفس زكريا بمشاعر هائلة، وهو يرى الفيض الإلهى يفيض على مريم، وهى الطفلة التى لا حول لها ولا طول. فيشتاق .. يشتاق إلى الذرية، ولم يكن قد رزق بالولد بعد، ويشتاق إلى أن يفيض الله عليه من نعمائه كما أفاض على هذه الطفلة الصغيرة التى كلفه الله برعايتها .. (( هنالك ) )دعا زكريا ربه00

(( هنالك ) ).. ما دلالة اللام في هنالك؟!

إن اللغويين والبلاغيين يقولون إنها تعبر عن البعد. فالشىء يشار له بكلمة (( هنا ) )إذا كان حاضرا قريبا تدركه العين أو اليد لقربه. ويشار إليه بكلمة (( هناك ) )إذا كان بعيدًا عن متناول اليد .. ثم إذا اشتد بعده يشار إليه بكلمة (( هنالك ) )بزيادة اللام لتعطى مزيدا من البعد 00

فأين البعد هنا؟

هذا هو المحراب، وهذه هى مريم، كلاهما حاضر قريب. وهذا هو زكريا معها في نفس المكان00

لا بعد في المكان، ولا بعد في الزمان0

إنما البعد في أغوار النفس!

(( هنالك ) )فى أعماق نفس زكريا تحرك الشوق .. الشوق إلى الذرية. والشوق إلى الفيض الإلهى الذى يفيض بالخير، وبالرحمة وبالعطاء، وبالرضوان ..

هل تحس مدى العمق في المشهد .. العمق الواغل في أعماق النفس؟

إنه الإعجاز 00

يقول تعالى في سورة فاطر:

(( .. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى ) )0

فماذا يوحى إليك النص؟ وما الصورة التى تتبادر إلى ذهنك؟

إن المقصود بالنص هو النفس الإنسانية المثقلة بالذنوب، يقف صاحبها يوم القيامة مثقلًا بذنوبه، كما ورد في نصوص أخرى0

(( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) )0

(( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) )0

(1) سورة البقرة: 127 - 129 0

(2) سورة آل عمران: 37، 38 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت