لو أن الإعجاز كان في الأسلوب وحده، الذى عجز الناس خلال القرون عن أن يأتوا بمثله، لكان هذا كافيًا لإثبات مصدره الربانى، ودليلا قاطعا على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعواه أنه رسول مرسل من عند الله، وأنه لا ينطبق عن الهوى (( إن هو إلا وحى يوحى ) ) [1] 0
فكيف إذا كان الإعجاز موضوعيا إلى جانب الإعجاز البيانى؟
هل تأتى لبشر في التاريخ كله أن يؤلف كتابا يحوى من الحقائق ما جاء به القرآن الكريم؟
خذ حقيقة الألوهية وحدها، وما جرى فيها على أيدى البشر من تخبطات مقارنة بصفاء الوحى وشفافيته، ووضوحه وتألقه، وعمقه ونصاعته0
وخذ إلى جانبها عشرات الحقائق الواردة في كتاب الله: حقيقة خلق الإنسان. حقيقة الدنيا والآخرة. حقيقة البعث والنشور والحساب والجزاء .. حقيقة القيم التى ينبغى أن تحكم حياة الإنسان في الأرض. حقيقة الكون المادى وما يجرى فيه حقيقة المهمة التى خلق الإنسان من أجلها. حقيقة الإيمان. حقيقة المعركة القائمة بين الإيمان والكفر. حقيقة السنن الربانية التى تحكم حياة البشر00
أى كتاب من صنع البشر جمع هذا الحشد من الحقائق بالتناسق الذى عرضت به في هذا الكتاب، وبقوة التأثير الذى يبعثه في النفوس هذا الكتاب؟
وأى بشر تبلغ اهتماماته هذا الشمول الذى لا يغادر شيئا من أساسيات الحياة إلا ويتعرض له، ويتعرض له في عمق وتمكن مثل ما جاء في هذا الكتاب؟
وأى بشر تبلغ اهتماماته هذا الشمول الذى لا يغادر شيئا من أساسيات الحياة إلا ويتعرض له، ويتعرض له في عمق وتمكن مثل ما جاء في هذا الكتاب؟
ولكن المستشرقين لهم في ذلك تخرصات!
يقولون: لقد جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بما جاء به نقلا من كتب أهل الكتاب، أو سطوا عليها، أو تلقيا من أصحابها!
وما أحسب أن فرية يمكن أن تبلغ من الكذب المفضوح أشد من هذه الفرية!
كيف يتأتى للذى ينقل من كتاب يقول إن الله ثالث ثلاثة أن يقرر أن الله واحدا؟ وكيف يتأتى للذى ينقلب من كتاب يقرر أن لله ولدا يشاركه في الألوهية، أن يقرر أن الله لا شريك له ولا ولد؟!
وكيف يتأتى للذى ينقل من كتب لم تترك نبيا من أنبياء الله إلا لطخت سمعته وشوهت صورته، واتهمته بما لا يجوز في حق الرجل العادى فضلا عن النبى المرسل، أن يسرد سير الأنبياء وقصصهم بالنصاعة والطهر والسمو الذى وردت به سير الأنبياء في القرآن؟!
وكيف يتأتى للذى ينقل من كتب لم تتعرض لآيات الله في الكون، ولا لأطوار الجنين البشرى من النطفة للعلقة للمضغة للعظام لاكتمال التكوين، أن يسرد في كل هذه الأمور حقائق لم يتعرف العلم عليها إلا منذ زمن قريب؟!
ألا تستحى هذه الناس؟!
(( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ) ) [2] 0
ولكن المعركة لن تكف:
(( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) ) [3] 0
فعلى المسلمين من جانبهم أن يعرفوا حقيقة دينهم، وحقيقة الكتاب المنزل إليهم، وأن يقدروه حق قدره، وأن يتدبروه ليعرفوا عظمته وإعجازه:
(( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ) ) [4] 0
وأهم من ذلك كله أن يعملوا بما فيه، فإنما نزل ليكون منهج حياة لخير أمة أخرجت للناس0
ويوم يرجعون إلى كتابهم فيتدبرونه ليعملوا بمقتضاه، ستعود لهم خيريتهم، وسيعود لهم التمكين الذى كان لهم في الأرض، وسيقومون بالشهادة على كل البشرية كما أمرهم الله:
(( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) ) [5] 0
(1) سورة النجم: 4
(2) سورة الأنعام: 21
(3) سورة البقرة: 217
(4) سورة النساء: 82
(5) سورة البقرة: 143